وحديث المرأة التي دخلتْ النار في هِرَّة حبستْها ، فلا هي أطعمتْها وسقتْها ، ولا هي تركتها تأكل من خَشَاش الأرض .
وحديث الرجل الذي دخل الجنة ؛ لأنه سقى كلباً كان يلهث يأكل الثرى من شدة العطش ، فنزل الرجل البئر وملأ خُفَّه فسقى الكلب ، فشكر الله له وغفر له ، لأنه نزل البئر وليس معه إناء يملأ به الماء ، فاحتال للأمر ، واجتهد ليسقي الكلب .
وهكذا نالتْ رحمة الإسلام الحيوان والطير والإنسان ، ففي الدين مبدأ ومنهج يُنظِّم كل شيء ولا يترك صغيرة ولا كبيرة في حياة الناس ؛ لذلك فهو رحمة للعالمين .
فقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] يعني أن كل ما يجيء به الإسلام داخل في عناصر الرحمة .
ثم يقول سبحانه: {قُلْ إِنَّمَآ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَآ إلهكم إله وَاحِدٌ ...} .
فالوحدانية هي أول رحمة بنا ، أن نكون كلنا سواء ، ليس لنا إلا إله واحد ، هذه من أعظم رحمات الله أن نعبده وحده لا شريكَ له ، فعبادته تُغنينا عن عبادة غيره ، ولو كانت آلهةً متعددة لأصابتنا الحيرة بين إله يأمر ، وإله ينهى .
لذلك ؛ فالحق - سبحانه وتعالى - يطلب منا أنْ نعتزّ وأنْ نفخَر بهذه الوحدانية ، وبهذه الألوهية ، وفي هذا يقول الشاعر الإسلامي محمد إقبال:
والسُّجود الذِي تَجْتويِه ... مِنْ أُلُوفِ السُّجودِ فِيهِ نَجَاةُ
فسجودك لله وتعفير وجهك له سبحانه يحميك من السجود لغيره ، ولولا سجودك لله لَسجدت لكل مَنْ هو أقوى منك ، فعليك - إذن - أن تعتز بعبوديتك لله ؛ لأنها تحميك من العبودية لغيرك من البشر ، وحتى لا يقول لك شخص أنت عبد ، نعم أنا عبد لكن لستُ عبداً لك ، فعبد غيرك حُرٌّ مثلك .