وحكمة تمييز شريعة الإسلام بهذه المزية أن أحوال النفوس البشرية مضت عليها عصور وأطوار تهيأت بتطوراتها لأن تُساس بالرحمة وأن تدفع عنها المشقة إلا بمقادير ضرورية لا تُقام المصالح بدونها ، فما في الشرائع السالفة من اختلاط الرحمة بالشدة وما في شريعة الإسلام من تمحّض الرحمة لم يجر في زمن من الأزمان إلا على مقتضى الحكمة ، ولكن الله أسعد هذه الشريعة والذي جاء بها والأمة المتبعة لها بمصادفتها للزمن والطور الذي اقتضت حكمة الله في سياسة البشر أن يكون التشريع لهم تشريع رحمة إلى انقضاء العالم.
فأقيمت شريعة الإسلام على دعائم الرحمة والرفق واليسر.
قال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحجّ: 78] وقال تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم"بُعثت بالحنيفية السمحة".
وما يتخيل من شدة في نحو القِصاص والحدود فإنما هو لمراعاة تعارض الرحمة والمشقة كما أشار إليه قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179] فالقصاص والحدود شدة على الجناة ورحمة ببقية الناس.
وأما رحمة الإسلام بالأمم غير المسلمين فإنما نعني به رحمته بالأمم الداخلة تحت سلطانه وهم أهل الذمة.
ورحمته بهم عدمُ إكراههم على مفارقة أديانهم ، وإجراءُ العدل بينهم في الأحكام بحيث لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم في الحقوق العامة.
هذا وإن أريد بـ {العالمين} في قوله تعالى: {إلا رحمة للعالمين} النوع من أنواع المخلوقات ذات الحياة فإن الشريعة تتعلق بأحوال الحيوان في معاملة الإنسان إياه وانتفاعه به.