قال أبو جعفر: واشتقاق هذا بيّن في اللغة ، وشرحه: أن معنى حُرّم الشيء حُظِر ومُنع منه ، كما أن معنى أحل أبيح ولم يمنع منه ، فإذا كان"حَرامٌ"و"حِرْمٌ"بمعنى واجب فمعناه أنه قد ضيق الخروج منه ومنع فقد دخل في باب المحظور بهذا ؛ فأما قول أبي عبيد: إن"لا"زائدة فقد رده عليه جماعة ؛ لأنها لا تزاد في مثل هذا الموضع ، ولا فيما يقع فيه إشكال ، ولو كانت زائدة لكان التأويل بعيداً أيضاً ؛ لأنه إن أراد وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا إلى الدنيا فهذا ما لا فائدة فيه ، وإن أراد التوبة فالتوبة لا تُحرّم.
وقيل: في الكلام إضمار أي وحرام على قرية حكمنا باستئصالها ، أو بالختم على قلوبها أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون ؛ قاله الزجاج وأبو علي ؛ و"لا"غير زائدة.
وهذا هو معنى قول ابن عباس رضي الله عنه.
قوله تعالى: {حتى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} تقدّم القول فيهم.
وفي الكلام حذف ، أي حتى إذا فتح سد يأجوج ومأجوج ، مثل"وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ".
{وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} قال ابن عباس: من كل شرف يُقبلون ؛ أي لكثرتهم ينسلون من كل ناحية.
والحدب ما ارتفع من الأرض ، والجمع الحِداب ؛ مأخوذ من حدبة الظهر ؛ قال عَنْتَرة:
فما رعِشت يداي ولا ازدهاني ...
تَواتُرهم إليّ من الحدَاب
وقيل:"يَنْسِلُونَ"يخرجون ؛ ومنه قول امرئ القيس:
فَسُلِّي ثِيابِي من ثِيابِك تَنْسُلِ ...
وقيل: يسرعون ؛ ومنه قول النابغة:
عَسَلاَن الذئبِ أَمْسَى قَارِباً ...
بَرَد الليلُ عليهِ فَنَسَلْ
يقال: عَسَل الذئبُ يَعسِل عَسَلاً وعَسَلانا إذا أعنق وأسرع.
وفي الحديث:"كَذبَ عليك العَسَلَ"أي عليك بسرعة المشي.
وقال الزجاج: والنَّسَلان مِشية الذئب إذا أسرع ؛ يقال: نسل فلان في العدو يَنْسُل بالكسر والضم نَسْلا ونُسولاً ونَسَلانا ؛ أي أسرع.