ويجوز أن تكون الجملة استئنافاً والخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أي أن هذه الملة ، وهي الإسلام ، هي ملة واحدة لسائر الرسل ، أي أصولها واحدة كقوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً} [الشورى: 13] الآية.
والتأكيد على هذا لردّ إنكار من ينكر ذلك مثل المشركين.
والإشارة بقوله تعالى: {هذه} إلى ما يفسره الخبر في قوله تعالى: {أُمتكم} كقوله تعالى: {قال هذا فراق بيني وبينك} [الكهف: 78] .
فالإشارة إلى الحالة التي هم عليها يعني في أمور الدين كما هو شأن حال الأنبياء والرسل.
فما أفادته الإشارةُ من التمييز للمشار إليه مقصود منه جميع مَا عَليه الرسل من أصول الشرائع وهو التوحيد والعمل الصالح.
والأمة هنا بمعنى الملة كقوله تعالى: {قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} [الزخرف: 22] ، وقال النابغة:
حلفتُ فلم أترك لنفسك ريبَة...
وهل يأثَمَنْ ذو أُمة وهو طائع
وأصل الأمة: الجماعة التي حالها واحد ، فأطلقت على ما تكون عليه الجماعة من الدين بقرينة أن الأمم ليست واحدة.
و {أمة واحدة} حال من {أمتكم} مؤكدة لما أفادته الإشارة التي هي العامل في صاحب الحال.
وأفادت التمييز والتشخيص لحال الشرائع التي عليها الرسل أو التي دعا إليها محمد صلى الله عليه وسلم
ومعنى كونها واحدة أنها توحّد الله تعالى فليس دونه إله.
وهذا حال شرائع التوحيد وبخلافها أديان الشرك فإنها لتعدد آلهتها تتشعب إلى عدة أديان لأن لكل صنم عبادة وأتباعاً وإن كان يجمعها وصف الشرك فذلك جنس عام وقد أومأ إلى هذا قوله تعالى: {وأنا ربكم} ، أي لا غيري.
وسيأتي بسط القول في عَربية هذا التركيب في تفسير سورة المؤمنين.
وأفاد قوله تعالى: {وأنا ربكم} الحصر ، أي أنا لا غيري بقرينة السياق والعطف على {أمة واحدة} ، إذ المعنى: وأنا ربكم رباً واحداً ، ولذلك فرع عليه الأمر بعبادته ، أي فاعبدون دون غيري.