قلنا: إن الأمة هنا بمعنى الملة ، وهو الدين المجتمع عليه ، كما في قوله: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف: 23] ، أي: على دين يجتمع عليه . والأمة بهذا المعنى هو ما رجحه كثير من المفسرين في هذه الآية ، وفي آية: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 51 - 52] ، وتطلق الأمة بمعنى الجماعة . كما هي في قوله تعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} أي: جماعة [الأعراف: 181] . وكما في قوله: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عِمْرَان: 104] ، ولا تكون بمعنى الجماعة مطلقاً ، وإنما هي بمعنى الجماعة الذين تربطهم رابطة اجتماع ، يعتبرون بها واحداً ، وتسوغ أن يطلق عليهم اسم واحد كاسم الأمة . وتطلق الأمة بمعنى السنين كما في قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ} [هود: 8] ، وفي قوله: {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: 45] ,وبمعنى الإمام الذي يقتدى به ,كما في قوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ} [النحل: 120] ، وبمعنى إحدى الأمم المعروفة كما في قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عِمْرَان: 110] ، وهذا المعنى الأخير لا يخرج عن معنى الجماعة ، على ما ذكرنا . وإنما خصصه العرف تخصيصاً . كذا حققه العلامة محمد عبده رحمه الله في تفسير آية: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة: 213] .