فإن قيل: فكيف قال الله تعالى: اذهب فقد سلَّطتك عليه، وتسليط العدوِّ على الوليّ غير لائقٍ بالحكمة، وخصوصًا إذا لم يفعل فعلًا يستوجب به العقوبة؟ [1]
فالجواب من وجوه:
أحدها: أنَّه نزل به مريض فنظر إليه فاستقذره وأبعده عن فنائه، فابتلاه الله بمثل مرضه، قاله قتادة.
والثاني: لأنه وقف ببابه سائل فقير فرده خائبًا، فقال له الله تعالى: خوَّلتك وأعطيتك ووسعت عليك وترد السائل خائبًا؟! لأبتلينَّك، قاله ابن أبي نجيح.
والثالث: أنَّه استغاث به مظلوم فلم يساعده على ظالمه فابتلاه الله، قاله ابن عباس.
والرابع: لأنه كان في زمانه ملك ظالم أقطعه أرضًا ترعى خيلُهُ فيها، فدخل العلماءُ على الملك فأنكروا عليه ظلمه إلا أيوب، فإنه لم ينهه عن الظلم لأجل مرعى دوابّه، فأوحى الله إليه: تركتَ إنكارك على الظالم من أجل مرعى دوابّك؟! لأسلِّطنَّ عليك عدوَّك، ولأُطيلنَّ عذابك، قاله الليث بن سعد.
وحكى الحافظ أبو القاسم في"تاريخ دمشق"أن الواقعة كانت بمصر، فقال: قال أبو إدريس الخَولاني: أجدَبَ الشام فكتب فرعون مصر إلى أيوب أنْ هلُمَّ إلينا فإن لك عندنا سعةً، فأقبل بخيله وَرَجلِهِ وبنيه وماشيته، فأقطعه أرضًا، وكان نبيُّ ذلك الزمان شعيبًا - عليه السلام - ، فدخل شعيب على فرعون ووعظه وقال: يا فرعون أما تخاف أنْ يغضبَ الله غضبةً تغضبُ لها السماوات والأرض والجبال والبحار؟! وكان أيوب حاضرًا فسكت، فلما خرج من عنده أوحى الله إلى أيوب: سكتَّ عن فرعون لأجل أرضه، استعدَّ للبلاء. قال: يا إلهي، فديني؟ قال: أُسَلِّمُهُ لكَ، قال: فما أُبالي.
وروى الحافظ حديثًا عن عقبة بن عامر قال: قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"أَوْحَى الله لأَيُّوبَ: تَدرِي ما جرمُك حتَّى ابتَليتُكَ؟ قال: لا، قال: إنَّك دَخَلتَ على فِرعَونَ فداهَنْتَهُ في كلمتَين".
[1] كيف يصح هذا مع قوله تعالى (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) فكيف يجوز في حق نبي كريم كأيوب - عليه السلام - ؟؟!!!
ثم تأمل في الأجوبة بعد ذلك هل يقبل العقل تصورها فضلا عن وقوعها من نبي كريم مدحه الله تعالى بقوله (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ(44) .؟؟!!!