فالرحمة تخلُّق بأخلاق الحق سبحانه ،"والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"تخلَّقوا بأخلاق الله"."
إذن: للخَلْق صفة الرحمة ، لكن الله هو أرحم الراحمين جميعاً ؛ لأن رحمته تعالى وسعَتْ كل شيء . كما قلنا في صفة الخَلْق: فيمكنك مثلاً أن تصنع من الرمل كوباً ، وتُخرِجه إلى الوجود ، وتنتفع به ، لكن أخَلْقك للكوب كخَلْق الله؟
ثم يقول الحق سبحانه: {فاستجبنا لَهُ فَكَشَفْنَا ...} .
استجاب الله لأيوب فيما دعا به من كَشْف الضُّر الذي أصابه ، وأعطاه زيادة عليه ونافلة لم يَدْعُ بها ، حيث كان في قِلَّة من الأهل ، وليس له عِزْوة .
{رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وذكرى لِلْعَابِدِينَ ...} [الأنبياء: 84] ليعلم كلُّ عابد أخلص عبادته لله تعالى ، أنه إذا مسَّه ضُرٌّ أو كَرْب ولجأ إلى الله أجابه الله إلى ما يريد ، وأعطاه فوق الإجابة نافلة أخرى ، وكأن ما حدث لنبي الله أيوب نموذج يجب أن يُحْتَذَى . {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ ...} .
قلنا: إن سورة الأنبياء لا تذكر قصَصاً كاملاً للأنبياء ، إنما تعطينا طَرَفاً منها ، وهنا تذكر إسماعيل وإدريس وذا الكفل بالاسم فقط .
ثم يقول تعالى: {كُلٌّ مِّنَ الصابرين} [الأنبياء: 85] كأن الصبر في حَدِّ ذاته حيثية يُرسل الله من أجلها الرسول ، ولنتأمل الصبر عند إسماعيل ، وكيف أنه صبر على أنْ يذبحه أبوه برؤيا رآها ، فأيُّ صبر أعظم من هذا؟
ثم يعيش في صِغَره - وحتى كبر - في وَادٍ غير ذي زرع ، ويتحمل مشاق هذه البيئة الجافة المجْدِبة ، ويخضع لقول الله تعالى: {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة . .} [إبراهيم: 37] .
وكأن في خروجه من هذه الأرض وطلبه لأرض أخرى فيها النعيم والزروع والثمار تأبّياً على إقامة الصلاة ؛ لذلك نراه يُفضّل البقاء في هذا المكان ، ويزهد في نعيم الدنيا الذي يتمتع به غيره امتثالاً لأمر الله .