هو معطوف على قوله تعالى: « وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ » وهو عطف قصة على قصة. أي واذكر أيوب إذ نادى ربّه » .
وذكر أيوب فِي هذا المقام ، هو ذكر له دلالته العظيمة ، وذلك من وجوه:
أولا: أن أنبياء اللّه وأصفياءه يبتلون بالضرّ ، كما يبتلى الناس ، بل وكما يبتلى شرار الناس .. وأنه كما يبتلى الناس بالخير والشرّ ، كذلك يبتلى الأنبياء بالخير والشر ..
فأنبياء اللّه وأصفياؤه ، يبتلون من اللّه فيزدادون إيمانا وقربا منه ، وطمعا فِي رحمته .. وأعداء اللّه يبتلون فيزدادون بعدا من اللّه ، وكفرا به ، ومحادّة له.
وثانيا: أن أنبياء اللّه وأصفياءه ، إذا ابتلوا فِي شيء من أنفسهم أو أموالهم ضروا إلى اللّه ، وبسطوا إليه أكفهم وولّوا إليه وجوههم ، وطرقوا أبواب رحمته بالدعاء والرجاء .. فباتوا على أمن من كل خوف ، وعلى طمع ورجاء من كل خير ..
وثالثا: أن اللّه سبحانه وتعالى ، يتقبل من عباده المخلصين ما يدعونه به ، فلا يقطع أمداد رحمته عنهم ، ولا يخيّب رجاءهم فيه.
وانظر إلى هذا الأدب النبوي العظمى ، فِي مناجاة الخالق جلّ وعلا ..
فأيوب - عليه السلام - مع هذا البلاء العظيم ، الذي شمله فِي نفسه وأهله وماله جميعا ، لم يستبدّ به الجزع ، ولم تستول عليه الحيرة ، ولم تحرقه أنفاس الضيق والألم .. بل ظلّ مجتمع النفس ، ساكن الفؤاد ، رطب اللسان بذكر اللّه ..
فلما اشتد به الكرب ، ورهقه البلاء ، وأراد أن يذكر نفسه ، ويشكو لربّه ما يجد ، لم يزد على أن يقول بلسان رطب بالصبر ، وبأنفاس نديّة بالإيمان:
« أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ » وكان أن سمع اللّه دعاءه ، واستجاب له ..
« فَاسْتَجَبْنا لَهُ .. فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ .. رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ » .