وقوله: {فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى} (الدرجات) مرتفعة بـ {لَهُمُ} على المذهبين، لكونه جرى خبرًا على المبتدأ وهو (أولئك) ، والظرف إذا جرى خبرًا على المبتدأ رفع ما بعده بلا خلاف.
وقوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} بدل من قوله: {الدَّرَجَاتُ} كأنه قيل: فأولئك لهم جنات عدن. ولا يجوز أن يكون خبر مبتدإٍ محذوف على تقدير: هي جنات عدن، كما زعم بعضهم، لأن قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا} نصب على الحال من الهاء والميم في {لَهُمُ} فالعامل فيها الاستقرار لا معنى الإشارة، كما زعم بعضهم، أي: الدرجات استقرت لهم باقين فيها بقاء لا آخر له.
{وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77) } :
قوله عز وجل: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا} أي: فاجعل لهم طريقًا في البحر بالعصا، من قولهم: ضرب له في ماله سهمًا، أي: جعل له في ماله سهمًا فهو مفعول به.
والجمهور على فتح الباء في قوله: {يَبَسًا} وفيه وجهان: أحدهما:
هو المكان، يكون رطبًا ثم يَيْبَسُ، ذكره الجوهري. والثاني: هو مصدر قولك: يَبِسَ الشيء يَيْبَسُ يُبْسًا وَيَبَسًا، وهو قول الجمهور، ونظيرهما: العُدْمُ والعَدَمُ، والرُّشْدُ والرَّشَدُ، ومن ثم وصف به المؤنث، فقيل: شاتنا يَبَسٌ، إذا لم يكن بها لبن، وَيَبْسٌ أيضًا بالتسكين، حكاهما أبو عبيدة، أي: طريقًا يابسًا، أو ذات، أو ذا يَبَسٍ. ولك أن تجعله عين اليبسِ وذاته مبالغة.
وقرئ: (يَبْسًا) بسكون الباء، وذلك يحتمل ثلاثة أوجه:
أن يكون صفة على فَعْلِ، يقال: حَطَبٌ يَبْسٌ، قال ثعلب: كأنه خِلْقَةٌ.
وأن يكون جمع يابس، كراكب ورَكْب، وُصِفَ به الواحد تأكيدًا، كقوله:
436 -. . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . ومِعىً جِياعا
جعله لفرط جوعه كجماعة جياع.
وأن يكون مصدرًا بمعنى اليَبَسُ واليَبِسُ، ذكره أبو إسحاق قال: يقال: يبس الشيء: يَيْبَسُ ويَيْبِسُ يَبَسًا ويُبْسًا ويَبْسًا ثلاث لغات في المصدر، انتهى كلامه.
ولا يجوز أن يكون مخففًا عن اليَبَسِ كما زعم بعضهم، لأن ما كان