العذاب: عذاب الدنيا . أي: بنصر المؤمنين على الكافرين وإهانتهم وإذلالهم {وَإِمَّا الساعة} [مريم: 75] أي: ما ينتظرهم من عذابها ، وعند ذلك: {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً} [مريم: 75] لكنه عِلْم لا يُجدي ، فقد فات أوانه ، فالموقف في الآخرة حيث لا استئناف للإيمان ، فالنكاية هنا أعظم والحسرة أشدّ .
لكن ، ما من مناسبة ذكر الجند هنا والكلام عن الآخرة؟ وماذا يُغني الجند في مثل هذا اليوم؟ قالوا: هذا تهكُّم بهم كما في قوله تعالى: {احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ الله فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم} [الصافات: 2223] ، فهل أَخْذهم إلى النار هداية؟
ثم يلتفت إليهم: {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ اليوم مُسْتَسْلِمُونَ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قالوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين * قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ} [الصافات: 2530] .
أي: لم نُجبركم على شيء ، مجرد أنْ أشَرْنَا لكم أطعتمونا .
لذلك ، سيقولون في موضع آخر: {رَبَّنَآ أَرِنَا الذين أَضَلاَّنَا مِنَ الجن والإنس نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأسفلين} [فصلت: 29] .
{وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76) }
قلنا: إن للهداية معنيَيْن: هداية بمعنى الدلالة على الخير وبيان طريقه ، وهداية المعونة والتوفيق للإيمان ، فمَنْ صدّق في الأُولى أعانه الله على الأخرى ، ومن ذلك قوله تعالى: {والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} [محمد: 17] .