هذا الفصل من أن الطاعة تثمر ثواب الدنيا والآخرة فالولد كسب الطاعة لا
كسب التجارة المدارة بيننا في الأسواق. ألا ترى أن إسحاق ويعقوب وُهِبَا
لإبراهيم جزاء على اعتزاله عبادة الأصنام.
والدليل على أن فعل الطاعة تسمى كسبًا:
قوله تبارك وتعالى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) ،
وقال: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(95) ،
ومثله في القرآن كثير.
وكان ولد المؤمن من كسبه أي كسب من طاعته ، وقوله - صلى الله
عليه وسلم -:"فكلوا من أموالهم"
خصوص في شيئين ،
أحدهما: إباحة الأكل الظاهر المخرج ، وإن كان يحتمل غيره.
والثاني: الاقتصار في الأكل على بعضه لقوله:"فكلوا من أموالهم"، ولم يقل: فكلوا أموالهم.
ومن مقتضاه خصوصًا لا عمومًا ، وقد قال تبارك وتعالى على إثر
الآية المبتدأ بها الفصل: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا(51) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53)
وقال في أيوب: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ(42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ)
فهل يجوز عند هذا الناظر أن يأخذ الرجل مال أخيه
ومال أهله ويتملكه عليهما بغير إذنهما من أجل أن الله - تبارك وتعالى -
جعلهما هِبة له كما جعل الولد هِبة لأبيه ، وجعله رسوله - صلى الله عليه
وسلم - كسبًا له. وكل هذا الاحتجاج لا يوهن نفقة الأبوين على الولد
الغني زمِنينِ كانا أم صحيحين ، وقد بيناه في كتاب آخر بحججه.
ذكر الرد على من يقول بخلق القرآن.
وقوله تعالى: (وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ)
(وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(10) .