قيل: الأمة تحدث أنفسها بشيئين: أحدهما: ما ينطق به ، والثاني: ما يعمل به.
والطلاق مما ينطق به ، فنفسر ما احتج به حجته عليه لأنه حدث نفسه
بالطلاق وهو من سلطان النطق فلم ينطق به ، وليس للعمل سلطان على
الطلاق نفسه ، لأن الطلاق لا يعمل عملا إنما ينطق به نطقا ، والذي
عملت اليد فيه منه فهو حروف هجائية لا الطلاق الواقع على زوجته.
أرأيت رجلا كتب حروف الطلاق في كتاب وهو لا يريد به طلاقا وقد
كتبه ثم قال: قد طلقت هذه الحروف أيقع على امرأته طلاق ،
فإن قال: يقع عليها طلاق ، فخالف كافة الأمة ، وأبدع في الدين
ما ليس فيه ، وأحال القول.
وإن قال: لا يقع بذلك طلاق.
قيل له: فما الذي يوقع على كاتب الطلاق طلاقا لِنية في الكتابة ، أو
الكتابة نفسها ، أم مظاهران معًا في إيقاع الطلاق على الكاتب ،
فإن قال: النية وحدها ، أم الكتابة وحدها أحال القول وخالف الأمة ، فإن قال: الظاهر هو الذي يوقع.
قيل له: هل رأيت شيئين كلاهما على الانفراد موصوفين بصفة زوال
السلطان ، فإن اجتمعا صار لهما بأنفسهما سلطان من غير أن يستعينا
بشيء غير أنفسهما تقويهما وتجعل لهما سلطانًا ،
هذا ما لا يذهب على من ميزه من العامة ، فكيف على أهل العلم
المفتين ، وعلى الدقائق غائصين.
فإن قيل: فأنت لا توقع بالنطق وحده طلاقًا ، ولا بالإرادة مفردة ،
فإذا اجتمعا أوقعت بهما وهو نفس ما أنكرته.
قيل: النطق الذي لا أوقع به طلاقًا هو الذي يأوي فيه إلى ما لا
يقع به طلاقًا كقوله: طلقتك من وثاقك ، إذ لا إرادة فيما صرح به من
هذا
أو يكون نطق على الغلط من أن يريد أن يتكلم بشيء فيجري على
لسانه الطلاق. فهذا وما يضاهيه لا يقع فيما بينه وبين الله.
فأما النطق على الانفراد الذي يوقع طلاقا مع النية فمعوز توهمه ،
فكيف النطق به كما يكن كتب حروف الطلاق على القصد والغلط معًا.
فإذا كان النطق الذي يقع به الطلاق لا يمكن إفراده على قصد كما