إذن: علينا أنْ نُفرِّق بين علم وفيوضات تأتي عن طريق الرسول وتوجيهاته ، وعلم وفيوضات تأتي من الله تعالى مباشرة لمن اختاره من عباده ؛ لأن الرسول يأتي بأحكام ظاهرية تتعلق بالتكاليف: افعل كذا ولا تفعل كذا ، لكن هناك أحكام أخرى غير ظاهرية لها عِلَل باطنة فوق العِلل الظاهرية ، وهذه هي التي اختصَّ الله بها هذا العبد الصالح (الخضر) كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم .
والدليل على ذلك أن النبي يأتي بأحكام تُحرّم القتل وتحرم إتلاف مال الغير ، فأتى الخضر وأتلف السفينة وقتل الغلام ، وقد اعترض موسى عليه السلام على هذه الأعمال ؛ لأنه لا عِلْم َله بعلتها ، ولو أن موسى عليه السلام علم العلّة في خَرْق السفينة لبادر هو إلى خرقها .
إذن: فعلم موسى غير علم الخضر ؛ لذلك قال له: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} [الكهف: 67 - 68]
فهذا عِلْم ليس عندك ، فعِلْمي من كيس الولاية ، وعلمك من كيس الرسل ، وهما في الحقيقة لا يتعارضان ، وإنْ كان لعلم الولاية عِلَل باطنة ، ولعلم الرسالة عِلَل ظاهرة .
ثم يقول تعالى: {قَالَ لَهُ موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ ...} .
كأن موسى عليه السلام يُعلِّمنا أدب تلقّي العلم وأدب التلميذ مع معلمه ، فمع أن الله تعالى أمره أن يتبع الخضر ، فلم يقُل له مثلاً: إن الله أمرني أن أتبعك ، بل تلطّف معه واستسمحه بهذا الأسلوب: {هَلْ أَتَّبِعُكَ . .} [الكهف: 66]
والرشد: هو حُسْن التصرّف في الأشياء ، وسداد المسلك في علة ما أنت بصدده ، وسبق أن قلنا: إن الرُّشْد يكون في سنِّ البلوغ ، لكن لا يعني هذا أن كل مَنْ بلغ يكون راشداً ، فقد يكون الإنسان بالغاً وغير راشد ، فقد يكون سفيهاً .