وقالوا: وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار ، وخلوها عن الأغيار ، فتتجلى لهم العلوم الإلهية ، والحقائق الربانية ، فيقفون على أسرار الكائنات ، ويعلمون أحكام الجزيئات ، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات ، كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهوم. وقد جاء فيما ينقلون"استفت قلبك وإن افتاك المفتون". قال شيخنا رضي الله عنه: وهذا القول زندقة وكفر ، ويقتل قائله ولا سيتتاب. لأنه إنكار ما علم من الشرائع ، فإن الله تعالى قد أجرى سنته ، وأنفذ حكمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه ، وهم المبلغون عنه رسالتهم وكلامه ، المبينون شرائعه وأحكامه ، اختارهم لذلك وخصهم بما هنالك ، كما قال تعالى: {الله يَصْطَفِي مِنَ الملائكة رُسُلاً وَمِنَ الناس إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 75] ، وقال تعالى: {كَانَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [البقرة: 213] ، إلى غير ذلك من الآيات. وعلى الجملة ، فقد حصل العلم القطعي واليقين الضروري ، واجتماع السلف والخلف على أن لا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه ، ولا يعرف شيء منها إلا من جهة الرسل. فمن قال إن هناك طريقاً أخرى يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل حيث يستغنى عن الرسل - فهو كافر يقتل ولا يستتاب ، ولا يحتاج معه إلى سؤال وجواب. ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا صلى الله عليه وسلم. الذي جعله الله خاتم أنبيائه ورسله ، فلا نبي بعده ولا رسول.
وبيان ذلك - أن من قال: يأخذ عن قلبه. وأن ما يقع فيه حكم الله تعالى ، وأنه يعمل بمقتضاه ، وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة - فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة. فإن هذا نحو ما قاله صلى الله عليه وسلم:"إن روح القدس نفث في روعي.."الحديث. انتهى من تفسير القرطبي.