لبيان قبح كفره، والْمُرَاد به عدم الإيمان المعتد به لإنكاره البعث وإلا فقوله:(ولئن رددت
إلى ربي)الخ. يدل عَلَى أنه مقر بربه لكنه غير معتد به.
قوله: (لأنه أصل مادتك) لأن الأغذية التي مادة الْإنْسَان تتولد من تراب فإن الأغذية
تنقلب إلَى نطفة فهي مادتك فكون الأغذية والتراب مادة الْإنْسَان باعْتبَار ما يؤول إليه.
قوله: (أو مادة أصلك) وهو آدم عَلَيْهِ السَّلَامُ فيكون الإسناد مَجَازًا باعْتبَار السببية
وأما في الأول فالإسناد حقيقي لكن التراب مجاز لغوي؛ إذ الْمُرَاد به النطفة مثل أعصر خمرًا
وعلى التقديرين كلمة (مِنْ) ابتدائية قيل فعلى الأول إسناد الخلق إليه حقيقي لأن المخلوق
من المخلوق من شيء مخلوق منه؛ إذ لم يتعين إرادة المبدأ القريب انتهى. فحِينَئِذٍ لا مجاز
في التراب أَيْضًا لكن الْمَجَاز الأولى هُوَ الظَّاهر كما يدل عليه قوله: (ثم من نطفة) .
قوله: (فإنها مادتك القريبة) لا يقتضي كون التراب مادة بعيدة من حيث إنه تراب بل
من حيث إنه يتولد منه الأغذية.
قوله:(ثم عدلك وكملك إنسانًا ذكرًا بالغًا مبلغ الرجال. جعل كفره بالبعث كفرًا بالله
تَعَالَى)قال في سورة الانفطار والتسوية جعل الأعضاء سليمة مسواة معدة لمنافعها والتعديل
جعل البنية معتدلة متناسبة الأعضاء فتفسير التسوية بالتعديل بناء عَلَى عدم الفرق بَيْنَهُمَا مع
أنه فرق بَيْنَهُمَا، إلا أن يقال لما لم يذكر التعديل في النظم أشار المصنف إلَى أن التسوية عامة
له أَيْضًا ولذا قال وكملك إنسانًا الخ.
قوله:(لأن منشأه الشك في كمال قدرة الله تعالى، ولذلك رتب الإِنكار على خلقه إياه
من التراب)وقد يكون منشأه زعم عدم إمكان البعث كاعتقاد الفلاسفة وعدم تعلق القدرة
بالممتنع ليس بمحظور، ولعل القائل من تلك الطائفة فالأولى ما أشرنا إليه من أن عدم
اعتقاد بعض الْمُؤْمن به عدم اعتقاد جميع الْمُؤْمن به، والْقَوْل بأن الظَّاهر أنه مشرك كما يدل
عليه قول صاحبه تعريضًا به (ولا أشرك بربي أحدًا) لا ينافي كونه مقرًا
بربوبيته تَعَالَى وليس معنى (أكفرت) أشركت بل معناه أكفرت. مثل كفران
قدرته العلية عَلَى كل ممكن ومن جملته القدرة عَلَى الإعادة فيكون منكرًا للواجب تَعَالَى
لأن واجب الوجود من له قدرة كاملة فإنكار القدرة الكاملة إنكار الواجب الوجود وهذا
مراد المصنف. نعم يرد عليه ما ذكرناه من كون منشأ إنكار البعث ادعاء امتناعه.
قوله: (فإن من قدر على بدء خلقه منه قدر أن يعيده منه) بل الإعادة أهون عليه.