قال الفراء والزجاج: ( {يَنْصُرُونَهُ} محمول على معنى الفئة، ولو حمل على لفظها لقيل: تنصره، كما قال: {فِئَةٌ تُقَاتِلُ} [آل عمران: 13] ) . {وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا} بأن يسترد بدل ما ذهب منه. قال الزجاج: (وما كان هو أيضًا قادر على نصرة نفسه) .
وقال قتادة: (وما كان ممتنعًا) . وقد تمت هاهنا قصة الأخوين، وضربت مثلاً للمؤمن مع الكافر، فالكافر تغره دنياه ويتبجح بها ويظن أنها تبقى له، والمؤمن يصبر على نوائبها احتسابًا من الله تعالى جميل الأجر وجزيل الذخر، ولا يركن إليها لما يعلم من فنائها. وقبل ذكر قصة الأخوين ذكر الله تعالى ما أعد للكافرين في قوله: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا} [الكهف: 29] إلى آخر الآية، وما أعد للمؤمنين في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الكهف: 30 - 31] الآيتان.
44 -ثم عاد الكلام إلى ما قبل القصة فقال: {هُنَالِكَ} قال الكلبي: (يقول عند ذلك، وهو يوم القيامة) .
وذكرنا عند قوله: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} [آل عمران: 38] أنه يجوز أن يشار بهنالك إلى المكان، وإلى ما مضى من الزمان.
وقوله تعالى: {الْوَلَايَةُ} أكثر القراء على فتح الواو، والولاية: نقيض العداوة، ومعناها التولي، وهو مصدر الوَلِيِّ. وروي عن أبي عمرو، والأصمعي أنهما قالا: (الولاية بالكسر هاهنا لحن، والكسر في فعالة يجيء فيما كان صنعة نحو: الخياطة والصناعة، أو معنى متقلدًا كالكتابة والإمارة والخلافة، وليس هنا معنى تولي أمر، إنما الولاية من الدين) . وكذلك التي في الأنفال: {مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الأنفال: 72] . وأما ولاية الأمور فهو بالكسر، كولاية السلطان، ومن أهل اللغة من يقول: يجوز الفتح في هذه، والكسر في تلك. كما قالوا: الوِكالة والوَكالة، والوصاية والوصاية بمعنى واحد.