يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: فَقَالَ هَذَا الَّذِي جَعَلْنَا لَهُ جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ، لِصَاحِبِهِ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ وَهُوَ يُخَاطِبُهُ: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ
مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا
يَقُولُ: وَأَعَزُّ عَشِيرَةً وَرَهْطًا، كَمَا قَالَ عُيَيْنَةُ وَالْأَقْرَعُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَحْنُ سَادَاتُ الْعَرَبِ، وَأَرْبَابُ الْأَمْوَالِ، فَنَحِّ عَنَّا سَلْمَانَ وَخَبَّابًا وَصُهَيْبًا، احْتِقَارًا لَهُمْ، وَتَكَبُّرًا عَلَيْهِمْ.
عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} وَتِلْكَ وَاللَّهِ أُمْنِيَةُ الْفَاجِرِ: كَثْرَةُ الْمَالِ، وَعِزَّةُ النَّفَرِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا الَّذِي جَعَلْنَا لَهُ جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابِ {دَخَلَ جَنَّتَهُ} وَهِيَ بُسْتَانَهُ {وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} وَظُلْمُهُ نَفْسَهُ: كُفْرُهُ بِالْبَعْثِ، وَشَكُّهُ فِي قِيَامِ السَّاعَةِ، وَنِسْيَانُهُ الْمَعَادَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَأَوْجَبَ لَهَا بِذَلِكَ سَخَطَ اللَّهِ وَأَلِيمَ عِقَابِهِ.
وَقَوْلُهُ: {قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَالَ لَمَّا عَايَنَ جَنَّتَهُ، وَرَآهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ وَالْأَنْهَارِ الْمُطَّرِدَةِ شَكًّا فِي الْمَعَادِ إِلَى اللَّهِ: مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ الْجَنَّةُ أَبَدًا، وَلَا تَفْنَى وَلَا تُخَرَّبُ.
وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ الَّتِي وَعَدَ اللَّهُ خَلْقَهُ الْحَشْرَ فِيهَا تَقُومُ فَتَحْدُثُ، ثُمَّ تَمَنَّى أُمْنِيَةً أُخْرَى عَلَى شَكٍّ مِنْهُ، فَقَالَ: {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي} فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُوقِنٍ أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَيْهِ {لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا}
يَقُولُ: لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِي هَذِهِ عِنْدَ اللَّهِ إِنْ رُدِدْتُ إِلَيْهِ مَرْجِعًا وَمَرَدًّا، يَقُولُ: لَمْ يُعْطِنِي هَذِهِ الْجَنَّةَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا وَلِي عِنْدَهُ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي الْمَعَادِ إِنْ رُدِدْتُ إِلَيْهِ.