وَقَوْلُهُ: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ}
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ: (وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ) بِضَمِّ الثَّاءِ وَالْمِيمِ.
وَاخْتَلَفَ قَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ لَهُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، وَقَالُوا: ذَلِكَ هُوَ الثَّمَرُ، لِأَنَّهَا أَمْوَالٌ مُثْمِرَةٌ، يَعْنِي مُكْثِرَةٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِهِ: الْمَالَ الْكَثِيرَ مِنْ صُنُوفِ الْأَمْوَالِ
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ: «وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ» بِالضَّمِّ، وَقَالَ: يَعْنِي أَنْوَاعَ الْمَالِ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِهِ الْأَصْلَ
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: «وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ» الثُّمُرُ الْأَصْلُ. قَالَ {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} قَالَ: بِأَصْلِهِ وَكَأَنَّ الَّذِينَ وَجَّهُوا مَعْنَاهَا إِلَى أَنَّهَا أَنْوَاعٌ مِنَ الْمَالِ، أَرَادُوا أَنَّهَا جَمْعُ ثِمَارٍ جَمْعُ ثُمُرٍ، كَمَا يُجْمَعُ الْكِتَابُ كُتَبًا، وَالْحِمَارُ حُمُرًا. وَقَدْ قَرَأَ بَعْضُ مَنْ وَافَقَ هَؤُلَاءِ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ «ثُمُرٌ» بِضَمِّ الثَّاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، وَهُوَ يُرِيدُ الضَّمَّ فِيهَا غَيْرَ أَنَّهُ سَكَّنَهَا طَلَبَ التَّخْفِيفِ. وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهَا جَمْعَ ثَمَرَةٍ، كَمَا تُجْمَعُ الْخَشَبَةُ خَشَبًا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} بِفَتْحِ الثَّاءِ وَالْمِيمِ، بِمَعْنَى جَمْعِ الثَّمَرَةِ، كَمَا تُجْمَعُ الْخَشَبَةُ خَشَبًا. وَالْقَصَبَةُ قَصَبًا.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ «وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ» بِضَمِّ الثَّاءِ وَالْمِيمِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ جَمْعَ ثِمَارٍ، كَمَا الْكُتُبُ جَمْعُ كِتَابٍ.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: {وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ} مِنْهُمَا {ثَمَرٌ} بِمَعْنَى مِنْ جَنَّتَيْهِ أَنْوَاعٌ مِنَ الثِّمَارِ. وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ لِمَنْ وَفَّقَ لِفَهْمِهِ، قَوْلُهُ: {جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابِ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الْكُرُومِ وَالنَّخْلِ وَالزَّرْعِ ثَمَرٌ.
وَقَوْلُهُ: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ}