على وجه مشروع مع جمع الخاطر وسكون الظَّاهر والترقي إلَى مرتبة الإحسان كأنه يرى
مولاه الملك المنان هذا إذا أريد بالتَّقْوَى المرتبة الثانية أو المرتبة الثالثة وإن أريد بها المرتبة
الأولى فالأمور موكولة إليك؛ إذ الْمُرَاد بالأركان والأجزاء هنا مثل ما عرفت في بحث الإيمان
من أنها ينتفي الكل بانتقائها وينتفي كمال الكل بانتفائها فالتفاوت بهذا الاعتبار شائع ذائع.
قوله: (ويحفظونها) عطف تفسير وفيه تنبيه عَلَى أن التعديل هنا مُسْتَعَار لهذا الحفظ
(من أن يقع الزيغ) الميل عن الاستقامة (في أفعالها) أي الصلاة فالْإضَافَة لأدنى ملابسة إذ
الْفعْل أي الإيقاع عَلَى ما هُوَ الْمَعْنَى المصدري أو بمعنى الخاص بالمصدر وهو الْمُرَاد هنا
للمصلي، والْمُرَاد بها يعم التروك أيضًا بمعنى كف النفس عن الأفعال والأقوال المفسدة
والموقعة للكراهة التحريمية والتنزيهية أو التحريمية فقط ثم أَشَارَ إلَى كونها اسْتعَارَة(بقوله
من أقام العود إذا قومه)أي إذا سواه بإزالة اعوجاجه فهو قويم تشبيها بالقائم ضد القاعد
وتوضيحه أن الإقامة بالْمَعْنَى اللغوي جعل الشيء قائما أي منتصبا وهذا من خواص
الأجسام ثم قيل أقام العود إذا قومه وأزال اعوجاجه فصار قويمًا يشبه القائم ثم اسْتُعيرَ
من تسوية الأجسام لتسوية الْمَعَاني أي كتعديل الأركان لزيادة المناسبة بين الحقيقي
والمجازي أو بين المَعْنَيَيْن ولو جعلت الاسْتعَارَة من تَحْصيل القيام في الأجسام لم تتحقق
المناسبة بهذه المرتبة وقد قيل الإقامة بمعنى التسوية حَقيقَة في الإيمان والْمَعَاني فلا حاجة
إلى الاسْتعَارَة، فعلى هذا معنى قوله من أقام العود من باب أقام العود لا بأنه مُسْتَعَار من أقام
العود لكن كونها مَجَازًا في الْمَعَاني راجح مختار؛ إذ التسوية لا توجد حَقيقَة فيها وأيضا
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
الأول مجاز كما في قام بالأمر وقعد عنه ثم تجوز عن ذلك الْمَجَاز بعلاقة غير مطردة أعني أن
الدوام لا يلزم منه النفاق وبالعكس أو تشبيه غير واضح والوجه الثالث أن يكون معنى يقيمون
الصلاة يتشمرون لأدائها من غير فتور ولا توان من قام بالأمر وأقامه فإن القيام لأجل تَحْصيل فعل
هو تهيؤ وتشمر لذلك الْفعْل وجد في تَحْصيله وفيه أن الْمَعْنَى حِينَئِذٍ يجعلون الصلاة متشمرة
متجلدة لا كما فسر به من معنى يتشمرون لأدائها والوجه الرابع أن تكون الإقامة عبَارَة عن الأداء
لاشتمال الصلاة عَلَى القيام ظَاهر ما ذكر في هذا الوجه مشعر بأن يقيمون من أقام بالمكان بمعنى
قام والهمزة للصيرورة، فالْمَعْنَى يقومون الصلاة فيؤول إلَى معنى يصلون الصلاة حيث عبر بالقيام
عن الصلاة كما يعبر عنها بسائر أركانها وبما فيها من التسبيحات فعل هذا يكون نصب لفظ الصلاة
على أنه مَفْعُول مطلق من غير لفظ فعله عَلَى طريق قعدت جلوسًا وكذا الظَّاهر من عبَارَة صاحب
الكَشَّاف أن الإقامة في هذا الوجه بمعنى القيام حَيْثُ قال فعبر عن الأداء بالإقامة لأن القيام بعض
أركانها وفيه أَيْضًا ارْتكَاب وجه بعيد، فالأولى في توجيه تفسيره بالأداء أن يقال معنى أقام الصلاة
جعلا الصلاة قائمة حاصلة في الخارج وهذا هُوَ بعينه معنى أداء الصلاة فالوجهان الأخيران من
قبيل الْمَجَاز الْمُرْسَل غير أن الأول من هذين من باب ذكر الملزوم وإرادة اللازم فإن القيام بالأمر
يلزمه التشمر والجد فيه وبالعكس والوجه الأخير منهما من باب ذكر الجزء وإرادة الكل.