الاشتراك خلاف الأصل وقد صرح به غير واحد من الفحول، وإنَّمَا حمله عَلَى ذلك كثرة
الاسْتعْمَال فيها وهذا ضعيف؛ إذ الْمَجَاز الْمَشْهُور كثير الاسْتعْمَال ولو أراد أنه حَقيقَة عرفية
فلا مناقشة لكن كلامه آبٍ عنه وما قيل من أن ما استند إليه من أن التقويم عام للقبيلتين من
الأعيان والْمَعَاني وحَقيقَة فيهما لا يستلزم كون الإقامة كَذَلكَ؛ إذ معناها جعل غير المستقيم
مستقيمًا بإزالة اعوجاجه ولا شك أن التسوية المتعلقة بالْمَعَاني معناها الإتيان بالْمَعْنَى عَلَى
ما يَنْبَغي لا جعلها مستقيمة بعد أن لم تكن فمدفوع بأنه لم لا يجوز أن يكون من قبيل ضيق
فم البئر وهذا الْمَعْنَى شائع أَيْضًا.
قوله: (أو يواظبون عليها) وظب عَلَى الأمر وظبًا ووظوبًا وواظب عليه لازمه وداوم
عليه فصيغة المفاعلة للمُبَالَغَة نبه المصنف عَلَى أن المواظبة تتعدى بـ على لكن الإقامة التي
بمعنى المواظبة لا يلزم أن تتعدى بـ على كنطقت الحال بكذا بمعنى دلت مع أن الدلالة
تتعدى بـ على وسره أن كون فعل بمعنى فعل آخر لا يستلزم فيه الاتحاد في الصلاة فلا حاجة
إلى أن فيه حذفًا وإيصالا.
قوله: (من قامت السوق إذا نفقت) أي معنى المواظبة للإقامة مأخوذ من هذا أو أنه
من بابه ومثله قال قدس سره إنفاق السوق كانتصاب شخص في حسن الحال وظهور التمام
فاستعمل القيام فيه والإقامة في إنفاقها أي جعلها نافقة ثم اسْتُعيرَت منه للمداومة عَلَى
الشيء فإن كلا من الإنفاق والمداومة يجعل متعلقه مرغوبا متنافسًا فيه متوجها إليه انتهى.
فمعنى قامت الصلاة نفقت ونفاقها كانتصاب شخص إلَى آخر ما ذكره قدس سره فمعنى
النفاق مجاز للقيام فالقيام مجاز فيه والإقامة استعملت في إنفاقها أي جعلها نافقة اسْتعَارَة
ثم اسْتُعيرَت منه للمداومة، وإنَّمَا لم تجعل الإقامة أولًا للمداومة مع أنها المقصودة لعدم
المناسبة بَيْنَهُمَا فيحتاج إلَى طول المسافة فقامت السوق (وأقمتها إذا جعلتها نافقة) وقامت
الصلاة وأقمتها من باب واحد فكون معنى قوله من قامت السوق أنه من بابه ومثله أولى من
أنه مأخوذ منه فلا إشكال بأن المشابهة في هذه الاسْتعَارَة خفية غايته أن لا يكون مبتذلًا
عاميا وهذا كتشبيـ البنفسح بنار الكبريت، ولا ريب في مقبوليته وقد أوضح قدس سره وجه
الشبه بين القيام والنفاق وبين الإقامة والإنفاق ثم بينه وبين الإقامة والمداومة؛ إذ الإقامة
المسْتعَارَة للمداومة بمعنى الإنفاق لا بمعنى كون الشيء قائمًا منتصبًا حتى يقال إن في هذه
المشابهة خفاء ولا شك في أن المداومة الصلاة تجعل الصلاة مما يرغب فيها كما أن
الإنفاق بجعل الشيء نافقا رائجا مرغوبا فيه، فلا وجه للْقَوْل بأن مداومة الصلاة لو سلم أنها
تناسب النفاق لكنها لا تناسب الإنفاق أي جعل الشيء مما يرغب فيه الغير بل مناسبة
المداومة للإنفاق أظهر منها بالنفاق، وأَيْضًا التَّجَوُّز عن الْمَجَاز سواء كان الْمَجَاز واصلًا إلَى
مرتبة الْحَقيقَة أولًا مصرح به في كلام الْمُفَسّرينَ كقَوْله تَعَالَى:(وَاعْتَصمُوا بحبل اللَّه
جَميعًا)الآية. وسيجيء في كلام الكَشَّاف أن التَّجَوُّز من الْمَجَاز في
قوله: الصلاة من الصلوين، وأما اعتبارهم العلاقة بين الْمَعْنَى الحقيقي والمجازي دون