قوله: (ولعل الحق هُوَ الثاني) وهو كون الإقرار جزءا معتبرًا مع التصديق ولم يجزم
لتعارض الأدلة ولكون الدليل القائم عَلَى حقيقته مجابًا بما يجيء وعدم كون الإقرار ركنًا هو
الراجح عند الأشاعرة ومنهم المصنف (لأنه تَعَالَى ذم المعاند أكثر من ذم الجاهل المقصر) المعاند
من عرف الحق يقينا وجحده والجاهل المقصر من لا يعرف الحق لتقصيره في النظر الصحيح
حيث قال تَعَالَى: (وَمنْهُمْ أُمّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكتَابَ إلَّا أَمَانيَّ) الآية. في ذم
الجاهل وقال تَعَالَى: (فَوَيْلٌ للَّذينَ يَكْتُبُونَ الْكتَاب بأَيْديهمْ) الآية.
قوله: (وللمانع أن يجعل الذم للإنكار) أي لمن منع انضمام الإقرار إلَى التصديق أن
يقول الذم الْمَذْكُور لإنكار الحق مع معرفته وقد مَرَّ أن من ترك الإقرار إباء وعادًا فهو كافر
بالاتفاق ركنًا كان الإقرار أولًا [إذ] لا شك أنه علامة التَّكْذيب إلا لعدم الإقرار للمتمكن منه)
فإن ترك الإقرار مع تمكينه لا عَلَى وجه الإباء لا يضر التصديق الذي هُوَ الإيمان، وإنما يضر
إجراء الأحكام الدنيوية عليه وهنا مذهب رابع اختاره الكرامية وهو أن الإيمان الإقرار فقط
كما سيشير إليه الْمُصَنّف في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (وما هم بمُؤْمنينَ) ولم يلتفته
هنا لظهور فساده فحاصل المذاهب أن الإيمان إما اسم لفعل القلب فقط أو لفعل اللساني
فقط أو افعلهما جَميعًا وحدهما أو مع فعل سائر الجوارح.
قوله: (والغيب مصدر) يقال غاب الشيء غيبا وغيبة وغيابًا ومغيبة (وصفت به) أي
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
مثقال دينار فأتى لكل بمعنى لاخْتلَاف مقاديره إن كان ما في القلب لا يتفاوت تم كلامه وجه ضبط
المذاهب لأن الإيمان لا يخرج بإجماع الْمُسْلمينَ عن فعل القلب وفعل الجوارح فهو حِينَئِذٍ أما فعل
القلب فقط وهو التصديق القلب الْمَذْكُور، وأما فعل الجوارح فقط وهو أما فعل اللسان وهو الكلمتان
أو فعل غير اللسان وهو العمل بالطاعات، وأما فعل القلب والجوارح معًا والجارحة أما اللسان وحده
أو جمع الجوارح هذا، وإنما أطنبنا الْكَلَام في بحث الإيمان بنقل المذاهب وتقرير ما هُوَ الصحيح منها
لأن هذه الآية. أول محل ذكر الإيمان فيه من الْقُرْآن المجيد فلا بد هنا من الاستقصاء في بيان حقيقته
وثمراته ومكملاته حتى يتبين منه في بواقي موارد وقوعه منه أن الْمُرَاد به ما هُوَ.
قوله: (لأنه تَعَالَى ذم المعاند أكثر من الجاهل المقصر المعاند من عرف الحق ويعتقده بقلبه
ولا يقربه بلسانه والجاهل المقصر من لا يعرف الحق لتقصيره في النظر الصحيح.
قوله: وللمانع الخ. أي وجه منع من منع اشتراط انضمام الإقرار به أن يجعل ذم المعاند
المخل بالإقرار لأجل كون السكوت عنه مع القدرة عليه من دلائل الجحود قلبًا لا لكون الإقرار
من حَيْثُ إنه إقرار ركنًا من أركان الإيمان وشرطًا من شروطه.
قوله: والغيب مصدر وصف به للمُبَالَغَة ليس في وصف ضمير بل القائم مقام فاعله هو
الجار والمجرور أعنى به، فالْمَعْنَى يُؤْمنُونَ بما هُوَ غيب أي غائب عن الحس وعن درك بداية العقول
وفي الكَشَّاف، والْمُرَاد به الخفي الذي لا ينفذ به ابتداء إلا علم اللطيف الخبير، وإنَّمَا نعلم منه نحن
ما علمناه أو نصب لنا دليلًا عليه وذلك نحو الصانع وصفاته والنبوات وما يتعلق بها والبعث
والنشور والحساب والوعد والوعيد وغير ذلك فقوله، وإنما نعلم نحن ما أعلمناه أو نصب لنا دليلًا
عليه تقسيم لما جمع في حكم الغيب وقوله وذلك نحو الصانع وصفاته والنبوات وما يتعلق بها