وكانت البشارة بإسحاق بعد أن وهَبَ الله لإبراهيم إسماعيل، الذي وصفه بأنه"حليم"، وكانت مكافأةً ومُجازاة من الله الكريم لإِبْراهيم المُحْسن على إحسانه وصَبْره، حين أمره الله في الرُّؤيا بذبح ولدِه إسماعيل، فصَدَّق الرُّؤيا، وسارع هو وابنه إسماعيل إلى تنفيذ أمر ربِّه، قال الله تعالى:"رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ في الْآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ" [الصافات: 100 - 113] .
"قَالَ"إبراهيمُ مُجيبًا لرسل ربِّه حين بشَّروه هذه البشرى الكريمة:"أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ" [الحجر: 54] ؛ يَسْتكثر على نفسه، ويعجب أشدَّ العجب أن يكون الولد من مثله، وقد بلغ به السنُّ هذا المبلغ، الذي يصِفُه بأنه قد مسَّه الكبر بآثاره اللازمة؛ مِن وَهْن العظم، وضعْف القُوى، ويبس الأعضاء، وما يستتبع ذلك ويُلازمه من العلل والأمراض المُحطِّمة، وأكَّد هذا الاستبعاد والتعجُّب، بقوله:"فَبِمَ تُبَشِّرُونَ" [الحجر: 54] ، كأنه يقول: فبأيِّ أُعْجوبة تبشِّروني؟ وعلى أيِّ وجه يكون لي هذا الغلام مع هذا الكِبَر؟ أبِأن أرجع إلى الشباب، أو تكون المعجزة، فيُولَد لي مع هذا الكبر؟ إن رَبِّي على كل شيء قدير.