إنّ الفكرة المشتملة على كذب سخيف ممجوج قد يستعذِبها الذهن لطرافتها، ولكن يمجّها الذَّوق والحسُّ المرهف العارف بألوان الجمال لسخافتها ومجافاتها للحقيقة مجافاةً واسعة المسافة.
في قول المتنبّي:
كفى بجسمي نحولاً أنّني رجل ... لولا مخاطبتي إيّاك لم ترني
وفي قول الآخر:
ولوْ أنّ ما بي من جَوىً وصبابةٍ ... على جَمَلٍ لم يدخل النّار كافر
قد نلاحظ فكرة غريبة لا يتصيّدها إلاَّ شاعر ذَكِيّ، فنُعْجَبُ بطرافتها، ولكنّنا مع ذلك نمُجُّها، لأنَّها تشتمل على دعوى كاذبة سخيفة.
أمَّا حين تكون الفكرة مبتكرة حلوة، وتكون الدَّعوى صادقة في أصلها، مضخَّمة مجسَّمة مبالغاً بها في صورتها الأدبيّة، فإنّ الكلام يكون حينئذٍ أرفع أدباً، وأعلى كعباً، وأوقع في النّفس.
هَلُمَّ فَلْنَلْحظ اجتماع الصدق والأدب الرفيع في قول الله تعالى في سورة ق: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امتلأت وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} [سورة ق: 30] .
إنَّ في هذه الآية حلاوة فكرة السؤال والجواب. وحلاوة الجواب الذكي الذي لم يكن مباشرة بصيغة: (لم أمتلئ) أو بصيغة (لا) مع كثرة الذين أُلقوا فيها. وإنّما جاء على صغية سُؤال النَّهِم الشَّرِه طالب المزيد: {هَلْ مِن مَّزِيدٍ} ؟!!.
وما دام باستطاعة الإِنسان أنْ ينتقي من الحقّ والصدق عناصر جماليّة لأدبه فما أوفر الحقّ والصدق في بيانات الإِسلام أما الدّعاة إلى الله، وما عليهم إلاَّ أنْ يغترفوا.
{والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض أولئك لَهُمُ اللعنة وَلَهُمْ سوء الدار (25) }
قوله تعالى: {يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} .
جاء في هذه العبارة تشبيه الْعَهْدِ بالْحَبْلِ الْمُبْرَمِ الّذِي أُحْكِمَتْ تقويته بالإِبْرام، وهو إيثاقه، أي: إحكام تقويته.
ثُمَّ حُذِفَ المشبَّه به، ورُمِزَ إلَيْه ببَعْضِ صِفَاتِهِ، فجاء النقض الذي يشبه إبطال الْعَهْد في عبارة"يَنْقُضُونَ"وجاء الإِيثاق الذي يشبه إعطاء العهد للالتزام به، في عبارة"من بَعْد ميثاقه".
وأصل الكلام: يُبْطِلُون العهد إبطالاً يشبه نقض الحبل الْمُبْرمِ الذي أُحْكِم إيثاقاً، الذي يُشْبِهُ إعطاء العهد الذي عاهدوا عليه مُوَثِّقين له بِالأيمان بالله.