إذن ينبغي للأديب أن يراعي ذلك في كلامه، وعليه أن يلاحظ باستمرار أنّ كبار البلغاء حينما يعطفون في كلامهم عن مجراه إلى صُوَر بلاغيّة يختارونها إنَّما يفعلون ذلك لأغراض فكريَّة بيانيَّة يهدفون إليها، ولا يكتفون باختيار الصُّوَر البلاغيّة لمجرّد أنَّها صور بلاغيّة، وهذا ما يعطي كلامهم ارتقاء أدبياً عظمياً، وجمالاً مكثَّفاً مضاعفاً.
(فائدة أخرى)
(نقل الأسماء أو الصِّفات من مواضعها الطبيعيَّة وإضفاؤها على غيرها)
ومن بديع هذا النَّقل أيضاً قول الله تعالى: {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} ففيه إضفاء السيلان على الأودية، وهي لماء السيول فيها، لأنَّ الأودية حينما تسيل فيها السيول العارمة تُوقِعُ في خيال المُشَاهِد المندهش أنّ الأودية والجبال أنفُسَها تسيل مع حركة المياة الجارفة فيها.
(فصل)
الكلام الذي تنكشف فيه عورات التلفيق والكذب فهو كلام قد تمجُّه النفوس، ولو سِيق لإِرضاء الآمال والمطامع النفسيّة.
وإنَّ الكلام الذي يَصْنَعُ قصصاً مقتبسة ممّا يجري في الواقع نظائرها، هو من أرفع الكلام القصصي وأجمله.
دعوى"أعذب الشعر أكذبه":
أمّا دعوى:"أعذب الشعر أكذبه"فهي دعوى لا أساس لها من الصحّة، لدى التحليل والبحث عن العناصر الجماليّة في الأدب.
إنّ الحقّ إذا لبس ثوباً أدبيّاً جميلاً كان أجمل من الباطل لا محالة، مهما لبس من أثواب جميلة مزخرفة.
إنّ الحُلَّة والحِلْيَة الأدبيَّة اللَّتَيْن يرفل بهما قول الله تعالى في سورة الرعد: {أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فاحتمل السيل زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار ابتغآء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال} [الآية: 17] .
للفكرة الحقِّ التي تبيّن واقع انتصار الحقّ والمحقِّين بعد أحداث الصِّراع بين الفريقين، أجمل من كل أدب يُزيِّن فكرة باطلة لتكون مقبولة محبَّبَة.
ربّما يكون تضخيم الحقّ وتجسيمه في الصورة الأدبيّة عملاً أدبيّاً جميلاً، لأنّ التضخيم والتجسيم في مفاهيم النّاس لون من ألوان البيان والشرح للحقيقة، وبعد الشرح ترجع الحقيقة في تَصَوُّرِ النّاس إلى حجمها الطبيعي.