وقوله: {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} [يوسف: 94] يحكى أن ريح الثوب لم يجدها الإخوة ووجدها يعقوب؛ لأن الإخوة كانوا عاقين لوالديهم، وكان الثوب من الجنة فلم يجدوا ريحه، ثم بعد ذلك رحموا وغفروا وقيل لم يجدوا ريح الثوب؛ لأنهم ما احترموا يوسف، بل هتكوا حرمته فلا جرم لم يجدوا ريحه كما لا يجد غير التائب ريح التوبة في الآخرة.
وقيل: كان ليوسف قميص المحبة {وَجَآءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} [يوسف: 18] ، وقميصه الفتنة {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ} [يوسف: 25] وقميصه البشارة، {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا} [يوسف: 93] ولمَّا كان يوم البلاء تباغضوا، ولمَّا كان يوم الفرح توادوا واستبشروا وتنافسوا أنهم يذهب بالقميص ويبشر يعقوب به، هكذا قال الله تعالى: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] فسبحانه من عزيز حميد فقال: لما يريد بقلب الدهور ويحدث الأمور بعد الأمور.
وقوله: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} [يوسف: 98] قيل: إنما أخر؛ لأن ما ينال بالهوينا لا يعرف قدره فأراد أن يكونوا بين الخوف والرجاء، ثم إذا نالوه فإن أهل الجنة لو طلقوا فيها لما عرفوا قدرها، وقيل: إنما أخر الاستغفار؛ لأن يعقوب عليه السلام كان شفيعاً، والشفيع لا يشفع إلا برضاء الخصم، فأخر حتى يسترضى يوسف قوله:
{وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} [يوسف: 100] ولم يقل: إذ أخرجني في الجب بحضرة إخوته إنه كان في الجب أياماً قليلاً وهي ثلاثة أيام.