{قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [يوسف: 17] {وَجَآءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} [يوسف: 18] هذه كلها إشارة إلى تزوير الحواس والقوى، وتلبيسها وتمويهاتها وتخيلاتها الفاسدة وكذباتها وحيلها ومكرها وكيدها وتوهماتها وتسويلاتها المجبولة عليها وإلا كانت للأنبياء.
وفي قوله: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف: 18] إشارة إلى معرفة الروح المؤيدة بنور الإيمان أنه يقف على النفس وصفاتها، وما جبلت الحواس والقوى عليه، ولا يقبل منها تمويهاتها وتسويلاتها، ويرى الأمور كلها من عند الله وأحكامه الأزلية، فصبر عليها صبراً جميلاً وهو الصبر على ظهور ما أراده الله فيها بالإرادة القديمة، والتسليم لها والرضاء بها.
وبقوله تعالى: {وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] يشير إلى الاستعانة بالله على الصبر الجميل فيما يجري من قضائه وقدره، وهذا كله من اختصاص الروح العلوي المؤيد بتأييد الله، ومن ثمرة الصبر الجميل من الروح نجاة القلب من غيابة جب القلب بجذبات العناية كما قال تعالى: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ} [يوسف: 19] وهي هبوب نفحات ألطاف الحق، {فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ} [يوسف: 19] أي: وارد من واردات تلك النفحات، {فَأَدْلَى دَلْوَهُ} [يوسف: 19] دلو جذبة من جذبات الحق، فخلص يوسف القلب من جُبِّ طبيعة القالب.