وقولُ هود عليه السلام: {إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا} إلى قوله: {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} يتضمَّن جملةَ أُمورٍ:
1 -البراءة من إشراكهم الذي اقْتَرَفُوه، ولا حقيقةَ له.
2 -إشهاد الله على ذلك ثِقَةً منه بأنه على بينةٍ من ربه.
3 -إشهادهم أيضًا على ذلك إعلامًا منه بعدم مبالاته بهم وبما يزعمون من قدرة شركائهم على إيذائه وضرره.
4 -طَلَبهُ منهم أن يجمعوا كُلُّهم على الكيد له، والإيقاع به بلا إمهال، ولا تأخير إن استطاعوا.
وفي هذا دليل واضح على أنه لا يخافُهم، ولا يخافُ آلهتهم.
5 -عدم الخوف منهم ومن آلهتهم إذ وكل أمْر حفظه وخِذْلانِهم إلى ربه وربهم، ومالك أمره وأمرهم المتصرف في كل ما دبَّ على وجه الأرض، والمسخِّر له، وهو سبحانه وتعالى مطلع على أمور العبادة، مجازٍ لهم بالثواب والعقاب، كافٍ لمَن اعتصَمَ به، وهو لا يسلط أهل الباطل من أعدائه على أهل الحق مِنْ رسله، ولا يفوته ظالم.
57 - {فَإِنْ تَوَلَّوْا} ؛ أي: فإن تتولَّوا، بحذف إحدى التائين؛ أي: وإن تستمروا على التولي، والإعراض عن الإيمان, والتوبة، فلا تفريطَ مِنّي في الإبلاغ {فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} ؛ أي: لأنَّي قد أدَّيْتُ ما عليَّ من الإبلاغ، وإلزام الحجة، وكنتم محجوجينَ، بأن بلغكم الحقُّ فأَبَيْتُم إلا التكذيب، والجحود، فالمذكور دليل الجواب المحذوف.
وقال الزمخشري:
فإن قلتَ: الإبلاغ كان قبل التولي، فكيف وَقَعَ جزاءً للشرط؟
قلت: معناه: فإن تَولَّوا لم أُعاقَبْ على تفريط في الإبلاغ، فإنَّ ما أرسلت به قد بَلَغَكُم فأبيتم إلا تكذيب الرسالة، وعداوة الرسول.
وقرأ الجمهور فإن {تَوَلَّوْا} ؛ أي: تتولوا مضارع تولَّى، وقرأ الأعرج، وعيسى الثقفي، {تَوَلَّوْا} بضم التاء واللام مضارع ولَّى قوله: {وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ} كلام مستأنف، أي: ويهلككم الله، ويجيء بقوم آخرين، يَخْلُفونكم في دياركم وأموالكم.