وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: تَأْوِيلُ ذَلِكَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ الَّذِينَ وَعَدْتُكَ أَنْ أُنْجِيَهُمْ، لِأَنَّهُ كَانَ لِدِينِكَ مُخَالِفًا وَبِي كَافِرًا. وَكَانَ ابْنَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ أَخْبَرَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ابْنُهُ، فَقَالَ: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ} وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُخْبِرَ أَنَّهُ ابْنُهُ فَيَكُونَ بِخِلَافِ مَا أَخْبَرَ. وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِابْنِهِ، إِذْ كَانَ قَوْلُهُ: {لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} مُحْتَمِلًا مِنَ الْمَعْنَى مَا ذَكَرْنَا، وَمُحْتَمِلًا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ دِينِكَ، ثُمَّ يَحْذِفُ «الدِّينَ» فَيُقَالُ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ، كَمَا قِيلَ: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا}
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} فَإِنَّ الْقُرَّاءَ اخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَتِهِ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} بِتَنْوِينِ «عَمَلٌ» وَرَفْعِ «غَيْرُ» ، وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: إِنَّ مَسْأَلَتَكَ إِيَّايَ هَذِهِ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ: إِنَّ الَّذِي ذَكَرْتَ أَنَّهُ ابْنُكَ، فَسَأَلَتْنِي أَنْ أَنْجِيَهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ أَيْ أَنَّهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ. وَقَالُوا: الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: «إِنَّهُ» عَائِدَةٌ عَلَى الِابْنِ.
وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُمْ قَرَءُوا ذَلِكَ: (إِنَّهُ عَمِلَ غيرَ صَالِحٍ) عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَ «غَيْرَ» مَنْصُوبَةً. وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ
وَوَجَّهُوا تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى مَا [روي] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:" « {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} قَالَ: كَانَ مُخَالِفًا فِي النِّيَّةِ وَالْعَمَلِ» وَلَا نَعْلَمُ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ قَرَأَ بِهَا أَحَدٌ مِنْ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ إِلَّا بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ."