وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ أَنْتَ التَّالِي فِي {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} قَالَ: «لَا وَاللَّهِ يَا بُنَيَّ وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ أَنَا هُوَ، وَلَكِنَّهُ لِسَانُهُ»
عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ:" {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} وَهُوَ مُحَمَّدٌ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ"
وَقَالَ آخَرُونَ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ:" {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ، وَالْقُرْآنُ يَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ أَيْضًا مِنَ اللَّهِ بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ جَبْرَئِيلُ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «هُوَ جَبْرَئِيلُ، تَلَا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالْقُرْآنَ، وَهُوَ الشَّاهِدُ مِنَ اللَّهِ»
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ مَلَكٌ يَحْفَظُهُ.
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} قَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ جَبْرَئِيلُ، لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً} عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عُلَيَّةَ وَسَلَّمَ لَمْ يَتْلُ قَبْلَ الْقُرْآنِ كِتَابَ مُوسَى، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِهِ لِسَانُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ مُحَمَّدٌ نَفْسُهُ، أَوْ عَلِيُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِهِ عَلِيُّ. وَلَا يُعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا كَانَ تَلَا ذَلِكَ قَبْلَ الْقُرْآنِ أَوْ جَاءَ بِهِ مِمَّنْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ أَنَّهُ عُنِيَ بِقَوْلِهِ: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} غَيْرُ جَبْرَئِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.