والمعنى: أنه إن أذاق الله سبحانه العبد نعماءه من الصحة والسلامة ، والغنى بعد أن كان في ضرّ من فقر أو مرض أو خوف ، لم يقابل ذلك بما يليق به من الشكر لله سبحانه ، بل يقول ذهب السيئات: أي المصائب التي ساءته من الضرّ والفقر والخوف والمرض عنه وزال أثرها ، غير شاكر لله ، ولا مثن عليه بنعمه {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} أي: كثير الفرح بطراً وأشراً ، كثير الفخر على الناس ، والتطاول عليهم بما يتفضل الله به عليه من النعم ، وفي التعبير عن ملابسة الضرّ له بالمس مناسبة للتعبير في جانب النعماء بالإذاقة ، فإن كلاهما لأدنى ما يطلق عليه اسم الملاقاة ، كما تقدّم {إِلاَّ الذين صَبَرُواْ} فإن عادتهم الصبر عند نزول المحن ، والشكر عند حصول الممن.
قال الأخفش: هو استثناء ليس من الأوّل: أي ولكن الذين صبروا وعملوا الصالحات في حالتي النعمة والمحنة.
وقال الفراء ؛ هو استثناء من لئن أذقناه: أي من الإنسان ، فإن الإنسان بمعنى الناس ، والناس: يشمل الكافر والمؤمن ، فهو استثناء متصل ، والإشارة بقوله: {أولئك} إلى الموصول باعتبار اتصافه بالصبر وعمل الصالحات {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} لذنوبهم {وَأَجْرٌ} يؤجرون به لأعمالهم الحسنة {كَبِيرٌ} متناه في الكبر.
ثم سلَّى الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ، فقال: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ} أي: فلعلك لعظم ما تراه منهم من الكفر والتكذيب ، واقتراح الآيات التي يقترحونها عليه على حسب هواهم ، وتعنتهم تارك بعض ما يوحى إليك مما أنزله الله عليك وأمرك بتبليغه ، مما يشق عليهم سماعه أو يستشقون العمل به ، كسبّ آلهتهم وأمرهم بالإيمان بالله وحده.