ومثال ذلك في التاريخ الإسلامي ، لحظة أن كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه مشغولاً بالتفكير في جيش المسلمين المقاتل في إحدى المعارك ، وكان عمر في المدينة يخطب على المنبر ، فإذا به يقول فجأة:"يا سارية الجبل"وهي كلمة لا موضع لها في منطق الخطبة ، ولكن كان فكره مشغولاً بالقائد الذي يحارب ، وسمع القائد وهو على البعد ، الأمر ؛ فانحاز إلى الجبل .
ويقال في هذه المسألة: إن الخاطر قد شغل مع الخاطر ، مثلما تطلب أحداً في الهاتف فيرد عليك الشخص الذي تريد الكلام معه قائلاً: لقد كنت على وشك أن أتصل بك هاتفيّاً ، وهذا يعني أن الخاطرين قد انضبطا معاً .
وإذا كان هذا ما يحدث في حياتنا العادية ، فما بالنا بما يحدث في الأمور الصفائية ؛ وفي أرقى درجاتها وهي النبوة؟
أو أن الذي دعا هو موسى وما كان هارون إلا مؤمِّناً ، والمؤمِّن هو أحد الداعيين ، وما دام الحق سبحانه قد قَبِل دعوة موسى عليه السلام ، فقد قَبِل أيضاً دعوة المؤمِّن معه .
ويظن بعض الناس أن إجابة الدعوة هي تحقيق المطلوب فور الدعاء ، ولكن الحقيقة أن إجابة الدعوة هي موافقة على الطلب ، أما ميعاد إنجاز الطلب ، فقد يتأجل بعض الوقت ، مثلما حدث مع دعوة موسى عليه السلام على فرعون وملئه ، فحين دعا موسى ، وأمَّن هارون ، جاءت إجابة الدعاء: {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} [يونس: 89] بعد أربعين عاماً ، ويحقق الله سبحانه الطمس على المال .
فالسماء ليست موظفة عند من يدعو ، وتقبل أي دعاء ، ولكن قبول الدعوة يقتضي تحديد الميعاد الذي تنفذ فيه .
وهذه أمور من مشيئة الله سبحانه ؛ فالحق سبحانه وتعالى منزَّه عن أن يكون منفِّذاً لدعاء ما ، ولكنه هو الذي بيده مقاليد كل أمر ، فإذا ما أجيبت دعوة ما ، فهو سبحانه بمشيئته يضع تنفيذ الدعوة في الميعاد الملائم ؛ لأنها لو أجيبت على الفور فقد تضر .
والحق سبحانه وتعالى هو القائل: