وما دام الحق سبحانه قد ارسل الاثنين لمهمة واحدة ، فإن انفعل واحد منهما لشيء فلا بد أن ينفعل الآخر لنفس الشيء ؛ لذلك فلا يوجد ما يمنع أن هارون ساعة سمع أخاه داعياً بمثل هذا الدعاء ، قد دعا هو أيضاً بالدعاء نفسه ، أو أنه أي: هارون قد دعا بهذا الدعاء سِرّاً .
والدعاء معناه: أنك تفزع إلى من يقدر على تحقيق ما لا تقدر عليه ، فأنت لا تدعو إلا في أمر عَزَّتْ عليك أسبابه ؛ فتقول: إن لي ربّاً أومن به ، وهو يقدر على الأسباب لأنه خالق الأسباب ، وقادر على أن يعطى بلا أسباب ، والمؤمن الحق يستقبل الأحداث ، لا بأسبابه ، ولكن بقدرة مَنْ آمن به ، وهو المسِّبب الأعلى سبحانه .
ولذلك تجد موسى عليه السلام ومعه قومه حين وصلوا إلى شاطئ البحر ، وكان من خلفهم قوم فرعون يطاردونهم ، فقال قوم موسى:
{إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61] .
فَرَدَّ موسى عليه السلام:
{كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62] .
أي: لا ترتِّبوا الأمر بترتيب البشر ؛ لأن معي رب البشر ، فجاءه الإنقاذ:
{فَأَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ البحر فانفلق فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم} [الشعراء: 63] .
إذن: فالدعاء إنما يكون فزعاً إلى من يقدر على أمر لا تقدر عليه .
والموضوع الذي كان يشغل موسى وهارون عليهما السلام هو بقاء آل فرعون على ضلالهم وإصرارهم على إضلال غيرهم ، فلا بد أن يدعو كل منهما نفس الدعاء ، ومثل هذا نجده في غير الرسل ونسميه"التخاطر"، أي: التقاء الخواطر في لحظة واحدة .