واعلم أن حاصل هذه الكلمات أنه لا يخرج عن علم الله شيء ، ثم إنه تعالى أكد هذا الكلام زيادة تأكيد ، فقال: {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلاَ فِى السماء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ في كتاب مبين} وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
أصل العزوب من البعد.
يقال: كلأ عازب إذا كان بعيد المطلب ، وعزب الرجل بإبله إذا أرسلها إلى موضع بعيد من المنزل ، والرجل سمي عزباً لبعده عن الأهل ، وعزب الشيء عن علمي إذا بعد.
المسألة الثانية:
قرأ الكسائي {وَمَا يَعْزُبُ} بكسر الزاي ، والباقون بالضم ، وفيه لغتان: عزب يعزب ، وعزب يعزب.
المسألة الثالثة:
قوله: {مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ} أي وزن ذرة ، ومثقال الشيء ما يساويه في الثقل ، والمعنى: ما يساوي ذرة والذر صغار النمل واحدها ذرة ، وهي تكون خفيفة الوزن جداً ، وقوله: {فِي الأرض وَلاَ فِى السماء} فالمعنى ظاهر.
فإن قيل: لم قدم الله ذكر الأرض ههنا على ذكر السماء مع أنه تعالى قال في سورة سبأ: {عالم الغيب لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى السماوات وَلاَ فِى الأرض} [سبأ: 3] .
قلنا: حق السماء أن تقدم على الأرض إلا أنه تعالى لما ذكر في هذه الآية شهادته على أحوال أهل الأرض وأعمالهم ، ثم وصل ذلك قوله لا يعزب عنه ، ناسب أن تقدم الأرض على السماء في هذا الموضع.
ثم قال: {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ} وفيه قراءتان قرأ حمزة {وَلاَ أَصْغَرَ وَلا أَكْبَرَ} بالرفع فيهما ، والباقون بالنصب.