فهو سبحانه الذي ينجي من قضائه بقضائه، وهو الذي يعيذ بنفسه من نفسه، وهو سبحانه الذي يدفع ما منه بما منه، فالخلق كله له، والأمر كله له، والحكم كله له، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
ولا يهدي لأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق إلا هو، ولا يصرف سيئها إلا هو: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ
لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) [يونس: 107] .
والغنى والفقر مطيتان يركبهما الناس إلى الآخرة .. والغنى له عبودية .. والفقر له عبودية .. وكما أن للغنى أوامر .. فكذلك للفقر أوامر.
والغنى كالفقر أمر من أوامر الله يبتلى بهما العباد، والمسلم غني بربه فلا يخاف من الفقر، وكيف يخاف المسلم من الفقر ومولاه له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى؟.
وحقيقة الفقر: أن يصير العبد كله لله، لا يبقى عليه بقية من نفسه وحظه وهواه؛ لأنه إذا كان لنفسه فليس لله، وإذا لم يكن لنفسه فهو لله.
فحقيقة الفقر أن لا تكون لنفسك، ولا يكون لها منك شيء، بحيث تكون كلك لله، وإذا صح الافتقار إلى الله تعالى فقد صح الاستغناء بالله، وإذا صح الاستغناء بالله كمل الغنى به.
ولفظ الفقر ورد في القرآن في ثلاثة مواضع:
أحدها: في قوله سبحانه: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) } [البقرة: 273] .
الثاني: في قوله سبحانه: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) } [التوبة: 60] .