ولكن لماذا يُفسِد العاقل الاختيار بين البدائل؟
إن الذي يفسد حركة اختيار العاقل هو الهوى ، والهوى إنما ينشأ مما في النفس والقلب ؛ ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:
{قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصدور} [يونس: 57] .
أي: أنه سبحانه قد أنزل عليكم ما يشفي صدوركم من غِلّ يؤثر في أحكامكم ، وحقد ، وحسد ، ومكر ، ويُنقِّي باطن الإنسان ؛ لأن أي حركة من حركات الإنسان لها نبع وجداني ، ولا بد أن يُشفى النبع الوجداني ؛ ليصحَّ ؛ حتى تخرج الحركات من الجوارج وهي نابعة من وجدان طاهر مُصفّى وسليم ؛ وبذلك تكون الحركات الصادرة من الإنسان سليمة .
ولذلك قال الحق سبحانه:
{وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصدور وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57] .
وجاءت كلمة"الشفاء"أولاً ، لتبيِّن أن الهداية الحقَّة إلى الطريق المستقيم تقتضي أن تُخْرِج ما في قلبه من أهواء ، ثم تدلَّه إلى المنهج المستقيم .
وإن سأل سائل عن الفارق بين الشفاء والرحمة؟ نجيب: إن الشفاء هو إخراج لما يُمْرِض الصدور ، أما الرحمة فهي اتْباع الهداية بما لا يأتي بالمرض مرة أخرى ، وأقرأ إن شئت قول الحق سبحانه:
{وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82] .
وهكذا يتبيَّن لنا أثر الموعظة: شفاء ، وهدى ، ورحمة ، إنها تعالج ليس ظواهر المرض فقط ، ولكن تعالج جذور المرض .
إذن: فشفاء الصدور يجب أن يتم أولاً ؛ لذلك نجد الطبيب الماهر هو من لا ينظر إلى ظواهر المرض فقط ليعالجها ، ولكنه يبحث عما خلف تلك الظواهر ، على عكس الطبيب غير المدرَّب العَجُول الذي يعالج الظاهر دون علاج جذور المرض .