إنه لا يكل الناس إلى الحوادث الفذة الخارقة، والمعجزات الخاصة المعدودة. كذلك لا يكلفهم أن يبحثوا عن الخوارق والمعجزات والآيات والدلائل بعيدا عن أنفسهم، ولا عن مألوف حياتهم، ولا عن الظواهر الكونية القريبة منهم المعروفة لهم. إنه لا يبعد بهم في فلسفات معقدة، أو مشكلات عقلية عويصة، أو تجارب عملية لا يملكها كل أحد. لكي ينشئ في نفوسهم عقيدة وتصورا للكون والحياة قائما على هذه العقيدة.
إن أنفسهم من صنع الله، وظواهر الكون حولهم من إبداع قدرته، والمعجزة كامنة في كل ما تبدعه يده. وهذا القرآن قرآنه. ومن ثم يأخذهم إلى هذه المعجزات الكامنة فيهم، والمبثوثة في الكون من حولهم. يأخذهم إلى هذه الخوارق المألوفة لهم التي يرونها ولا يحسون حقيقة الإعجاز فيها. لأنهم لطول ألفتهم بها غفلوا عن مواضع الإعجاز فيها. يأخذهم إليها ليفتح عيونهم عليها، فتطلع على السر الهائل المكنون فيها. سر القدرة المبدعة، وسر الوحدانية المفردة. وسر الناموس الأزلي الذي يعمل في كيانهم أنفسهم كما يعمل في الكون من حولهم، والذي يحمل دلائل الإيمان؛ وبراهين العقيدة فيبثها في كيانهم، أو يوقظها في فطرتهم بتعبير أدق.
وعلى هذا المنهج يسير، وهو يعرض عليهم آيات القدرة المبدعة في خلقهم هم أنفسهم. وفي زرعهم الذي تزاوله أيديهم. وفي الماء الذي يشربون. وفي النار التي
يوقدون وهي أبسط ما يقع تحت أبصارهم من مألوفات حياتهم، كذلك يصور لهم لحظة النهاية. نهاية الحياة على هذه الأرض وبدء الحياة في العالم الآخر. اللحظة التي يواجهها كل أحد، والتي تنتهي عندها كل حيلة، والتي تقف الأحياء وجها لوجه أمام القدرة المطلقة المتصرفة وقفة فاصلة. لا محاولة فيها ولا مجال. حيث تسقط جميع الأقنعة وتبطل جميع التعلات.
إن طريقة القرآن في مخاطبة الفطرة البشرية تدل بذاتها على مصدره. إنه المصدر الذي صدر منه الكون. فطريقة بنائه هي طريقة بناء الكون، فمن أبسط المواد الكونية تنشأ أعقد الأشكال، وأضخم الخلائق. الذرة يظن أنها مادة بناء الكون، والخلية يظن أنها مادة بناء الحياة. والذرة على صغرها معجزة في ذاتها، والخلية على ضآلتها آية في ذاتها.