لا يكون في «الخدمة» وقت الصلاة! وقد فرحوا بهذا فرحا شديدا، إذ كانت المرة الأولى التي تقام فيها صلاة الجمعة .. وقمت بخطبة الجمعة وإقامة الصلاة؛ والركاب الأجانب - معظمهم - متحلقون يرقبون صلاتنا! .. وبعد الصلاة جاءنا كثيرون منهم يهنئوننا على نجاح «القداس» !!! فقد كان هذا أقصى ما يفهمونه من صلاتنا! ولكن سيدة من هذا الحشد - عرفنا فيما بعد أنها يوغسلافية مسيحية هاربة من جحيم «تيتو» وشيوعيته! - كانت شديدة التأثر والانفعال، تفيض عيناها بالدمع ولا تتمالك مشاعرها. جاءت تشد على أيدينا بحرارة؛ وتقول: - في إنجليزية ضعيفة - إنها لا تملك نفسها من التأثر العميق بصلاتنا هذه وما فيها من خشوع ونظام وروح! .. وليس هذا موضع الشاهد في القصة .. ولكن ذلك كان في قولها: أي لغة هذه
التي كان يتحدث بها «قسيسكم» ؟! فالمسكينة لا تتصور أن يقيم «الصلاة» إلا قسيس. أو رجل دين - كما هو الحال عندها في مسيحية الكنيسة -! وقد صححنا لها هذا الفهم! .. وأجبناها .. فقالت: إن اللغة التي يتحدث بها ذات إيقاع موسيقي عجيب، وإن كنت لم أفهم منها حرفا .. ثم كانت المفاجأة الحقيقية لنا وهي تقول: ولكن هذا ليس الموضوع الذي أريد أن أسأل عنه .. إن الموضوع الذي لفت حسي، هو أن «الإمام» كانت ترد في أثناء كلامه - بهذه اللغة الموسيقية - فقرات من نوع آخر غير بقية كلامه! نوع أكثر موسيقية وأعمق إيقاعا .. هذه الفقرات الخاصة كانت تحدث في رعشة وقشعريرة! إنها شيء آخر! كما لو كان - الإمام - مملوءا من الروح القدس - حسب تعبيرها المستمد من مسيحيتها - وتفكرنا قليلا. ثم أدركنا أنها تعني الآيات القرآنية التي وردت في أثناء خطبة الجمعة وفي أثناء الصلاة! وكانت - مع ذلك - مفاجأة لنا تدعوا إلى الدهشة، من سيدة لا تفهم مما نقول شيئا.
وليست هذه قاعدة كما قلت. ولكن وقوع هذه الحادثة - ووقوع أمثالها مما ذكره لي غير واحد - ذو دلالة على أن في هذا القرآن سرا آخر تلتقطه بعض القلوب لمجرد تلاوته.