(وهذا هو المقام الثالث في التحدي فإنه تعالى تحداهم ودعاهم إن كانوا صادقين في دعواهم أنه من عند محمد صلى الله عليه وسلم فليعارضوه بنظير ما جاء به وحده، وليستعينوا بمن شاءوا، وأخبر أنهم لا يقدرون على ذلك، ولا سبيل لهم إليه فقال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً(الإسراء: 88) ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه، فقال في أول سورة هود: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ثم تنازل إلى سورة فقال في هذه السورة: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وكذا في سورة البقرة - وهي مدنية - تحداهم بسورة منه، وأخبر أنهم لا يستطيعون ذلك أبدا فقال: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الآية (البقرة 24) ، هذا وقد كانت الفصاحة من سجاياهم، وأشعارهم ومعلقاتهم، إليها المنتهى في هذا الباب. ولكن جاءهم من الله ما لا قبل لأحد به، ولهذا آمن من آمن منهم من بلاغة هذا الكلام وحلاوته وجزالته وطلاوته وإفادته وبراعته، فكانوا أعلم الناس وأفهمهم له، وأتبعهم له وأشدهم له انقيادا، كما عرف السحرة بعلمهم بفنون السحر أن هذا الذي فعله موسى عليه السلام لا يصدر إلا عن مؤيد، مسدد، مرسل من الله، وأن هذا لا يستطاع لبشر إلا بإذن الله، وكذلك عيسى عليه السلام بعث في زمن علماء الطب، ومعالجة المرضى، فكان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، ومثل هذا لا مدخل للعلاج والدواء فيه، فعرف من عرف منهم أنه عبد الله ورسوله) اهـ.
كلمة في السياق: