وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أي ومنهم ناس يستمعون إليك إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع، فهم يسمعون كلامك الحسن، والقرآن العظيم، والأحاديث الصحيحة الفصيحة النافعة في القلوب والأديان والأبدان، وفي هذا كفاية عظيمة للإيمان، ولكنهم لا يعون ولا يقبلون، فهم كالصم أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ أي أتطمع أنك تقدر على إسماع الصم ولو انضم إلى صممهم انعدام عقولهم، لأن الأصم العاقل ربما تفرس واستدل إذا وقع في صماخه دوي الصوت، فإذا اجتمع سلب العقل والسمع فقد تم عدم الفهم، وإذن فالصمم وانعدام العقل عاملان آخران من عوامل الضلال والكفر بهذا القرآن وهذا الرسول
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أي ومنهم ناس ينظرون إليك ويعاينون أدلة الصدق وأعلام النبوة، ولكنهم لا يصدقون، أو كما قال ابن كثير: (أي ينظرون إليك وإلى ما أعطاك الله من التؤدة، والسمت الحسن، والخلق العظيم، والدلالة الظاهرة على نبوتك لأولي البصائر والنهى. وهؤلاء ينظرون كما ينظر غيرهم، ولا يحصل لهم من الهداية شيء كما يحصل لغيرهم، بل المؤمنون ينظرون إليك بعين الوقار، وهؤلاء الكفار ينظرون إليك بعين الاحتقار) فكيف يؤمنون بك، وكيف ينتفعون منك وهم لا يرون حقيقتك أصلا لعماهم أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ أي أتحسب أنك تقدر على هداية العمي ولو انضم إلى فقد البصر فقد البصيرة، لأن الأعمى الذي له في قلبه بصيرة قد يحدس، وأما العمى مع الحمق فجهد البلاء، فتحصل من الآيتين أنهم في اليأس من أن يقبلوا ويصدقوا كالصمم والعمي الذين لا عقول لهم ولا بصائر. فحصل
من الآيات السابقة أن سبب الكفر بالقرآن والرسول الظلم والإفساد والصمم والعمى، وليس السبب احتمال الريب في القرآن أو في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أن السبب ليس ظلم الله لهم في إضلالهم وإبقائهم في الضلال.