فلما كرر الله سبحانه عليهم الحجج قالوا: وإذا كان بشراً فغير محمد صلى الله عليه وسلم كان أحق بالرسالة فلولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم فأنزل الله تعالى رداً عليهم {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ} [الزخرف: 32] الآية ومنه يعلم أن ما حكى في الوجه الثاني سبب لنزول آية أخرى {أَنْ أَنذِرِ الناس} أي أخبرهم بما فيه تخويف لهم مما يترتب على فعل ما لا ينبغي ، والمراد به جميع الناس الذين يمكنه عليه الصلاة والسلام تبليغهم ذلك لا ما أريد بالناس أولاً وهو النكتة في إيثار الإظهار على الإضمار ، وكون الثاني عين الأول عند إعادة المعرفة ليس على الإطلاق ، و {إن} هي المفسرة لمفعول الإيحاء المقدر وقد تقدم عليها ما فيه معنى القول دون حروفه وهو الإيحاء أو هي المخففة من المثقلة على أن اسمها ضمير الشأن ، والجملة الأمرية خبرها وفي وقوعها خبر ضمير الشأن دون تأويل وتقدير قول اختلاف ، فذهب صاحب الكشف إلى أنه لا يحتاج إلى ذلك لأن المقصود منها التفسير وخالفه غير واحد في ذلك وذهبوا إلى أنه لا فرق بين خبره وخبر غيره.
وقال بعضهم: هي المصدرية الخفيفة في الوضع بناءً على أنها توصل بالأمر والنهي والكثير على المنع ، وذكر أبو حيان هذا الاحتمال هنا مع أنه نقل عنه في"المغني"أن مذهبه المنع لما أنه يفوت معنى الأمر إذا سبك بالمصدر.
واعترض بأنه يفوت معنى المضي والحالية والاستقبال المقصود أيضاً مع الاتفاق على جواز وصلها بما يدل على ذلك ، وأجيب بأنه قد يقال: بأن بينهما فرقاً فإن المصدر يدل على الزمان التزاماً فقد تنصب عليه قرينة فلا يفوت معناه بالكلية بخلاف الأمر والنهي فإنه لا دلالة للمصدر عليهما أصلاً.