وبالجملة ، فصرف هذا اللفظ عن ظاهره تكسيل للأمة ، وتدبير على فتور همتها ، وضعف نشاطها ، وحيلولة بينها وبين سعادة الإحاطة بآثار الأمم البائدة ، ورؤية عِمْرَان المسكونة ، الأمر الذي هو الآن الضالة المنشودة عند الغربيين ، وفيه ستر لنور الكتاب الذي هو أول مرشد للعالم ألا يألوا جهداً في السير والسياحة ، وأن ينقلب في البلاد أي: تنقيب .
وسيأتي تتمة لهذا في تفسير آية: {سَائِحَاتٍ} في سورة التحريم إن شاء الله تعالى .
قال الرازي: للسياحة أثر عظيم في تكميل النفس ، لأنه يلقاه أنواع من الضرّ والبؤس ، فلا بد له من الصبر عليها ، وقد يلقى أفاضل مختلفين ، فيستفيد من كلّ ما ليس عند الآخر .
وقد يلقى الأكابر من الناس ، فيحقر نفسه في مقابلتهم ، وقد يصل إلى المرادات الكثيرة ، فينتفع بها ، وقد يشاهد اختلاف أحوال الدنيا بسبب ما خلق الله تعالى في كل طرف من الأحول الخاصة بهم ، فتقوى معرفته .
وبالجملة فالسياحة لها آثار قوية في الدين . انتهى .
وقال بعضهم: لا يعزب عنك أيها اللبيب أنه تعالى حث بني الْإِنْسَاْن على السفر في
محكم كتابه العزيز ، وندد على من ارتدا منهم رداء الكسل ، وأوقع نفسه في وهدة الخمول ، وتلذذ بالتقاعد عن جَوْب البلاد ، وقطع الوهاد ، فقال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} ، وقال صلى الله عليه وسلم: ( سافروا تصحوا واغزوا تستغنوا ) .
وقد تكلم كثير من العلماء والحكماء والأدباء على مزايا السفر نظماً ونثراً .
ومن أجل فوائده زيادة علمه ، وانتفاع غيره بما يعلمه وما يكتسبه ، ومنها ، وهو أعظمها ، رضا ربه ، ومزيد ثوابه بنفعه لعباده ، وأحب عَبَّاد الله إلى الله أنفعهم لعباده .