[أ] ومن هنا كان تذكّرُ الموتِ من أقوى البواعِثِ على العُزوف عن الدنيا؛ لاسيما عند ذهاب الصالحين؛ وكأنما قصد البخاريُّ هذا المعنى في ترجمته البديعة في كتاب الرِّقاق: (باب ذهاب الصالحين) ، حيث أورد حديث مرداس الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يذهب الصالحون الأول فالأول، وتبقى حُثالةٌ كحُثالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله بالة) ! [59]
[ب] وما أحسنَ قولَ الشاعر:
ألا أيها الموتُ الذي ليس تاركي
أرِحْنِي! فقد أفنيتَ كلَّ خَلِيلِ!
أراكَ بصيراً بالذين أَوَدُّهُمْ!
كأنّك تَنْحُو نَحْوَهُمْ بدليلِ!
[ت] ورحم الله أبا بكر رضي الله عنه؛ فقد روى مالك ـ في الجهاد من الموطّأ ـ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أدري ما أنتم صانعون بعدي؟ فبكى أبو بكر ثم بكى؛ ثم قال: أئنّا لكائنون بعدك؟!) . [60]
[ث] وكذلك كانت عائشة الصدّيقة رضي الله عنها تتمثّل قول لبيد:
ذهب الذين يُعاش في أكنافهم
وبقيتُ في خَلْفٍ كجلد الأجربِ!
[ج] فلسانُ حالِ المسلم عند ذهاب الصالحين:
هَبْنِي بَقِيتُ على الأيّامِ والأبدِ!
ونلتُ ما شئتُ من مالٍ ومن ولدِ!
مَنْ لي برؤية مَنْ قد كنتُ آلَفَهم؟!
وبالزمانِ الذي ولّى! فلم يَعُدِ؟!
[ح] ورحم الله القائل:
وإنّ افتقادي واحداً بعد واحدٍ
دليلٌ على أن لا يدوم خليلُ!
[خ] فما من صاحبيِن ـ ولو كانا شقيقين ـ إلا سيفترقانِ! كما قيل:
وكلُّ أخٍ مُفارقُهُ أخوهُ لعمرُ أبيك إلا الفَرْقدانِ!
وكذلك قال البخاري رحمه الله حينما نُعِيَ إليه الحافظُ عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي:
إن عشتَ تُفجع بالأحبّةِ كلِّهم
وبقاءُ نفسِك لا أبا لك أفجعُ! [61]
[د] فعزاء المؤمن أنه إذا مات لقي الأحبة: محمداً صلى الله عليه وسلم وصحبه! كما ذكر أنس رضي الله عنه: عنه أنّ رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: (متى الساعة يا رسول الله؟ قال: ما أعددتَ لها؟ قال: ما أعددتُ لها كثيرَ صلاةٍ ولا صومٍ ولا صدقةٍ؛ ولكنّي أُحِبّ الله ورسوله، قال: أنتَ مع من أحببت) ! [62]