[ذ] وتأمَّلْ فقهَ فاطمةَ رضي الله عنها فقد سارّها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بدُنُوِّ أجله؛ فبكت، ثم سارّها بأنها أول من تلحق به؛ فضحكت! [63] ورحم الله أمّنا عائشة فقد كانت كلما ذكرت أخاها عبد الرحمان تمثّلت بقول متمّم بن نُوَيْرة يرثي أخاه مالكاً:
وكُنّا كَنَدْمانَيْ جُذَيْمةَ حِقْبَةً
من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا!
فلما تفرّقنا كأني ومالكاً
لطولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً معا! [64]
15)اليقين بأنّ الموت بالمرصاد
[أ] وذلك لقبض الناس أجمعين الأوّلين منهم والآخرين؛ كما قال الله عزّ وجلّ: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قُضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يُرجَعون) ! [65]
[ب] فالموت أجلٌ مقدَّر وقدرٌ محتومٌ على الأوّلين والآخرين، كما قال تعالى: (إنّك ميّتٌ وإنّهم ميّتون) ! (أفإن متَّ فهم الخالدون) ؛ فلا ينجو منه إنسانٌ (كلُّ نفسٍ ذائقة الموت) ، ولا يحول دونه زمانٌ! (وما هو بمزحزحه من العذاب أن يُعمَّر) ، ولا يُتخفّى منه في مكان! (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كُتب عليهم القتال إلى مضاجعهم) ! (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروجٍ مشيَّدة) !
[ت] ولقد صدق المتنبي حيث قال:
نُعِدُّ المشرفيّةَ والعوالِي وتقتلنا المنون بلا قتالِ!
فإنه ليس عن الموت مَحيدٌ؛ فهو قدرٌ مكتوبٌ، وحوضٌ مورودٌ!
[ث] وقد تمثّل الشعراء هذا المعنى، كما قال شرف الدين بن أبي عصرون:
أؤمّل أن أحيا وفي كل ساعةٍ
تمرّ بيَ الموتى يُهَزُّ نعوشُها!
وهل أنا إلا مثلهم غير أنّ لي
بقايا ليالٍ في الزمان أعيشُها!
[ج] ولا يخفى أنّ في سلام الأحياء على الأموات إشارةً إلى هذه المعاني: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين؛ وإنّا إن شاء الله بكم لَلاحِقُون) ! [66]