طُبِعتْ على كَدَرٍ وأنت تريدها صفواً من الأقذاء والأكدارِ!
وإذا رجوت المستحيلَ فإنما تبني الرَّجاء على شفيرٍ هارِ!
(9) اليقين بالموت:
ولا عجباً؛ فالمسلم يعلم أنّ الله تعالى قد سمّى الموت يقيناً، فقال عزّ وجل: (واعبدْ ربَّك حتى يأتيك اليقين) ، [40] ويَعي قولَ الله تعالى: (كلُّ نفسٍ ذائقة الموت) . [41] ويُدرك ما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه من اقتران الموت بحياة ابن آدم وهو بعدُ في بطن أُمّه لم تمسَّ قدماه الأرض! (فيُكتب رزقُهُ وعملُهُ وأجلُهُ وشقيٌّ أو سعيدٌ) ؛ [42] وكأنما تمثّل أبو العتاهية هذه المعاني حين قال:
خُلِقْنا للحياةِ وللمماتِ! ومن هذين كلُّ الحادثاتِ!
ومهدُ المرء في أيدي الرَّواقي كنعش المرء بين النائحاتِ!
وما سَلِمَ الوليدُ من اشتكاءٍ فهل يخلو المُعمَّرُ من أذاةِ؟
(10) الغفلة عن الموت
[أ] ولكنّ الغفلة تطغى على قلبِ الإنسان؛ فتهوي به في منازل النسيان، كما قال الله تبارك وتعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) . [43] وقال القرطبي رحمه الله:"إنّ من ذَكَر الموتَ حقيقةَ ذكرِهِ؛ نغّص عليه لذّتَه الحاضرة، ومنعه من تمنِّيها في المستقبل، وزهّده فيما كان منها يؤمِّل؛ ولكنّ النفوسَ الرّاكدة والقلوب الغافلة تحتاج إلى تطويل الوُعّاظ وتزويق الألفاظ"! [44]
[ب] وبمعاني (الغفلة) عن (الحق) ، و (كشف الغطاء) ، و (عدم التذكّر) ؛ يجيء التعبير القرآني مصوِّراً موقف الناس من الموت! (وجاءت سكرةُ الموت بالحق ذلك ما كنتَ منه تحيد ونُفِخ في الصُّورِذلك يومُ الوعيدِ وجاءت كلُّ نفسٍ معها سائقٌ وشهيدٌ لقد كنتَ في غفلةٍ من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) . [45] وقال تعالى: (أَوَلمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يتذكّر فيه من تذكّر وجاءكم النذير) ! [46]
[ت] وقد قال الشعراء في هذا المعنى ما شاء الله أن يقولوا، فأنشد عمران بن حطان:
حتى متى تُسقى النفوسُ بكأسها
ريبَ المنونِ وأنتَ لاهٍ تلعبُ!
وقال محمد الحميري:
نُراعُ لذكرِ الموتِ ساعةَ ذكرِهِ
وتعترض الدنيا فنلهو ونلعبُ!
[ث] وما أصدقَ ما قال زين العابدين رضي الله عنه:
نُراعُ إذا الجنائزُ واجهَتْنا ونَلْهُو حين تغدو رائحاتِ!