ومن هاب أسبابَ المنايا ينَلْنَهُ
وإن يَرْقَ أسبابَ السماءِ بسُلّمِ!
وقال كعبُ بن زهير:
كلُّ ابنِ أُنثى وإن طالتْ سلامتُهُ
يوماً على آلةٍ حدباءَ مَحْمُولُ!
(5) الموت ووجود الخالق:
[أ] والموت ـ لعمري ـ دليلٌ على وجود الخالق سبحانه؛ إذ إنّ البقاء لله وحده، وللخلق الفناء؛ كما قال جل جلاله: (يا أيها الناسُ أنتم الفقراءُ إلى الله واللهُ هو الغنيُّ الحميد إن يشأْ يُذهبْكم ويأْتِ بخلقٍ جديدٍ وما ذلك على الله بعزيز) . [22]
[ب] وذلك من أسرارِ المقارنةِ القرآنيّة البديعة بين الخالق والمخلوق؛ حيث انتفى الشبهُ بقول الله عزّ وجلّ: (أفَمَن يخلقُ كمن لا يَخْلُقُ أفلا تذكَّرون) ! ومن معاني المقابلة في كتاب الله تعالى بين بقاء الخالق وفناء المخلوق: (كلُّ مَنْ عليها فانٍ ويبقى وجهُ ربّك ذو الجلال والإكرام) . [23] [ت] فكلُّ أحدٍ ـ بعد ذلك ـ يعلم الجواب عن قوله تعالى: (أمْ خُلِقوا من غير شيءٍ أم هم الخالقون أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون) ! [24]
(6) الموت ومعرفة الله:
[أ] لا ريب أنّ التفكُّرَ في الموت يبعث في النفسِ المعرفةَ بالله (الحيِّ الذي لا يموت) [25] : الذي خلَق الخلْق، وقدّر الأجل والرِّزْقَ، وأحاط بخفايا الأقوالِ ودقائقِ الأعمال!
[ب] ولا شكّ أنّ في استرجاعِ العبدِ عند المصيبةِ وحُلولِ الموت؛ علامةً على الإيمان والهداية وشهادةً بالعبودية لله، ويقيناً بالبعث والنشور! كما قال الله عزّ وجلّ: (وبشِّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمةٌ وأولئك هم المهتدون) ! [26]
[ت] ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لتلك المرأة التي مرّ بها وهي تبكي على صبيٍّ لها: (اتّقي الله واصبري. فقالت: إليك عنّي؛ فإنك لم تُصَبْ بمصيبتي ـ ولم تعرفْه ـ فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأتتْ باب النبي صلى الله عليه وسلم فقالتْ: لم أعرفْك؛ فقال: إنّما الصبرُ عند الصّدمة الأولى!) ؛ دلالةً على أنّ الصّبرَ قائمٌ على معرفةٍ بالله سبحانه وإيمانٍ بقدرِه ويقينٍ بما عنده، ووعيٍ عند الصّدمة الأولى بفقه الابتلاء وإدراكِ معاني الموت والحياة!