وأضرب هذا المثل دائماً - ولله المثل الأعلى - أنت ترى الوردة ، فتدرك بعينيك جمالها ، فإنْ مددتَ يدك إليها لتقطفها ، هنا يتدخل الشرع ليقول لك: لا ؛ لأن هذا نزوع إلى ما لا تملك . وإن أردت أن تحوز وردة مثلها ، فإما أن تشتريها وإما أن تزرع مثلها ، إذن: فالمشرع يتدخل - فقط - في الأعمال النزوعية .
وكراهية الله لنزوعهم تجلَّتْ في تثبيطهم وخذلهم وردِّهم عن الفعل ، وزيَّن لهم في نفوسهم ألا يخرجوا للقتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وذلك لحكمة أرادها الحق سبحانه ، فوافقت ما أذن فيه رسول الله في التخلف ، وهنا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى قال: {وَقِيلَ اقعدوا مَعَ القاعدين} وإذا كان التثبيط من الله ، فكأنه أوضح لهم: اقعدوا بإذن الله من الإرادة الإلهية . أو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لهم بالقعود والتخلف لمّا استشفَّ تراخيهم ، أو أن الشياطين أوحتْ لهم بالقعود ، فالحق هو القائل سبحانه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإنس والجن يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً} [الأنعام: 112] .
وهكذا نجد أن كلمة: {قِيلَ} قد بُنيتْ لما يُسَمَّ فاعله لإمكان أن يتعدد القائلون ، فالله بتثبيطه لهم كأنه قال لهم: اقعدوا ، والرسول صلى الله عليه وسلم قال لهم: اقعدوا ، والشياطين حينما زينوا لهم القعود ؛ كأنهم قالوا لهم: اقعدوا .
وقولهم بعضهم لبعض زيَّن لهم القعود ، وهكذا أعطتنا كلمة واحدة عطاءات متعددة .
وهل ينفي عطاءٌ عطاءً؟ . لا ، بل كلها عطاءات تتناسب مع الموقف .