وقوله: اثَّاقَلْتُمْ: من الثقل ضد الخفة. يقال: تثاقل فلان عن الشيء ، إذا تباطأ عنه ولم يهتم به .. ويقال: تثاقل القوم: إذا لم ينهضوا لنجدة المستجير بهم. وأصل اثَّاقَلْتُمْ تثاقلتم، فأبدلت التاء ثاء ثم أدغمت فيها، ثم اجتلبت همزة الوصل من أجل التوصل للنطق بالساكن.
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أي: ما الذي جعلكم تباطأتم عن الخروج إلى الجهاد، حين دعاكم رسولكم صلى الله عليه وسلم إلى قتال الروم، وإلى النهوض لإعلاء كلمة الله، ونصرة دينه؟
وقد ناداهم - سبحانه - بصفة الإيمان، لتحريك حرارة العقيدة في قلوبهم، وتوجيه عقولهم إلى ما يستدعيه الإيمان الصادق من طاعة لله ولرسوله. والاستفهام في قوله:
ما لَكُمْ لإنكار واستبعاد صدور هذا التثاقل منهم، مع أن هذا يتنافى مع الإيمان والطاعة.
قال الجمل: و «ما» مبتدأ، و «لكم» خبر، وقوله «اثاقلتم» حال. وقوله: «إذا قيل لكم» ظرف لهذه الحال مقدم عليها.
والتقدير: أي شيء ثبت لكم من الأعذار. حال كونكم متثاقلين في وقت قول الرسول لكم: انفروا في سبيل الله.
وقوله. «إلى الأرض» متعلق بقوله: «اثاقلتم» على تضمينه معنى الميل إلى الراحة،
والإخلاد إلى الأرض، ولذا عدى بإلى.
أي: اثاقلتم مائلين إلى الراحة وإلى شهوات الدنيا الفانية، وإلى الإقامة بأرضكم ودياركم، وكرهتم الجهاد مع أنه ذروة سنام الإسلام.
وإن التعبير بقوله، سبحانه، اثَّاقَلْتُمْ لفي أسمى درجات البلاغة، وأعلى مراتب التصوير الصادق، لأنه بلفظه وجرسه يمثل الجسم المسترخى الثقيل الذي استقر على الأرض .. والذي كلما حاول الرافعون أن يرفعوه عاد إليه ثقله فسقط من بين أيديهم، وأخلد إلى الأرض.
وذلك لأن ما استولى عليه من حب للذائذ الدنيا وشهواتها، أثقل بكثير من حبه لنعيم الآخرة وخيراتها.
وقوله، سبحانه: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ إنكار آخر لتباطئهم عن الجهاد، وتعجب من ركونهم إلى الدنيا مع أن إيمانهم يتنافى مع ذلك.