فإذا أعلن النفير العام .. وجب الامتثال إلا حال العجز التام، وهو ما بينه الله تعالى في قوله {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} .
ويؤيد هذا التعميم في عموم الأحوال قول أبي أيوب الأنصاري، وقد شهد المشاهد كلها، إلا غزوة واحدة، قال الله: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} فلا أجدني إلا خفيفًا أو ثقيلًا، وقد فهم سلفنا الصالح القرآن على هدي النبي وعمله، ففتحوا البلاد وسادوا العباد، لكن بعد أن انحرفوا عن هديه وتدبر معانيه واكتفوا بتلاوته والتغني بألفاظه، ذلوا وضعفوا واستكانوا، وسادتهم الشعوب الأخرى، وتقوض ملكهم من أطرافه وأصبحوا من المستضعفين، وصاروا عبيدًا لأعدائهم.
{وَجَاهَدُواْ} أعداءكم الذين يقاتلون في سبيل الطاغوت ويفسدون في الأرض وابذلوا {بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ؛ أي في إقامة ميزان العدل وإعلاء كلمة الحق، فمن استطاع منكم الجهاد بماله ونفسه .. وجب عليه ذلك، ومن قدر على أحدهما، وجب عليه ما كان في مقدرته {ذَلِكُمْ} الذي أمرتم به من النفر والجهاد الذي هو الوسيلة في حفظ كيان الأمم وعلو كلمتهم {خَيْرٌ لَّكُمْ} من القعود والتثاقل في دينكم ودنياكم، إما في الدين فلا سعادة إلا لمن ينصر الحق، ويقيم العدل، باتباع هدى الدين والعمل بالشرع الحكيم، وأما في الدنيا، فإنه لا عزَّ للأمم ولا سيادة لها إلا بالقوة الحربية التي هي وسيلة لدفاع العدو وكبح جماحه {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أن ثواب الجهاد خير لكم من القعود عنه، فانفروا وجاهدوا في سبيل الله وبادروا إليه وقد علم فضل ذلك المؤمنون الصادقون، فامتثلوا أمره واهتدوا بهديه.