فإنّا والله يا أمير المؤمنين غير عائدين لشيء من معاتبتك في هذا الأمر، فإن تراجع قبلنا، وإن تأب أمسكنا، مع أنك لو قدرت تتكثّر بالزّنج على آل أبي العاص لفعلت، تكرّها لجلد فيهم، وتبرما بمدّتهم، وايم الله ما هذا جزاؤهم منك، لقد آثروك وواسوك، فما جازيت ولا كافأت. فقام معاوية مغضبا، وقال للحرس: شدّوا أيديكم بالقوم. ثم دخل، وأجلسوا طويلا حتى ساء ظنّهم، ثم خرج مقطّبا بين عينيه، فجلس على سريره، وأقبل بوجهه، وتمثل بأبيات:
لدي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصاء ... وما علم الإنسان إلّا ليعلما
ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما
وما كنت إلّا مثل قاطع كفّه ... بكفّ له أخرى فأصبح أجذما
يداه أصابت هذه حتف هذه ... فلم تجد الأخرى عليها مقدّما
فلمّا استقاد الكفّ بالكفّ لم يجد ... له دركا في أن تبينا فأحجما
فأطرق إطراق الشّجاع ولو يرى ... مساغا لنابيه الشّجاع لصمّما
ثم قال: هذا الذي حجزني عنكم، وايم الله، لقد قطعتم من زياد رحما قريبة واشجة، وقلتم عليه البهتان بغير تثبّت ولا بيان، ولقد وضع الله ما كان في الجاهلية من سفك الدماء، والشرك بربّ السماء، فذلك أعظم ممّا كان فيه أبو سفيان، وايم الله، ما الله راقبتم، ولا لي نظرتم، بل أدرككم الحسد في القديم لبني حرب، ولئن عدتم لشيء مما أرى، أو أتاني عنكم من ورا ورا: لأنهلنّكم صبرا، ولأعلّنّكم علقما، حتّى تعلموا في طول حلمي أن قد منيتم بمن إن حزّ قطع، وإن همز أوجع، وإن هم فجع، ثم لا تقال لكم العثرات، ويستصعب عليكم منّي ما كان وطيّا.
ويتوغّر عليكم ما كان سهلا، فأمّا قولكم: إنّي أصبت السلطان بسببكم: