ولكن الناس قالوا عن عمر الشديد:"قد لاَنَ قلبه بينما اشتد قلب أبي بكر"هذه هي المواقف الإيمانية التي تملأ نفس كل مؤمن . فالذي يصنع موقف المؤمن هو إيمانه لا طبعه ؛ ولذلك قال الحق في وصفه للمؤمنين: {فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين ...} [المائدة: 54] .
وكيف يكون الإنسان عزيزاً وذليلاً في الوقت نفسه؟ وكيف يوصف الشخص نفسه بأنه عزيز وذليل؟ وكيف يمكن أن يجتمع النقيضان في شخص واحد؟ لكنك تقرأ ما يطمئنك في قول الحق: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ...} [الفتح: 29] .
لقد وصف الحق سبحانه المؤمنين بأنهم أشداء ، ووصفهم أيضاً بأنهم رحماء ، ولكي تفهم هذا المعنى عليك أن تعلم أن المواقف الإيمانية هي التي تحدد مشاعر المؤمن ، ولا تحددها طباعه الخاصة والشخصية ، وهو يُكيِّف مواقفه حسب الموقف الإيماني وما يتطلبه ، فهو شديد ورحيم ، وذليل وعزيز .
ونعود إلى غزوة تبوك التي نزلت فيها الآية التي نتناولها بخواطرنا وإلى السؤال: كيف يحارب المسلمون الروم ، وقد حزنوا يوم هزيمة الروم من الفرس؟ ونقول: لقد حزن المسلمون لأن إلحاداً ينكر الألوهية قد انتصر على إيمان مرتبط برسالات السماء ؛ ولأن الروم - وهم نصارى - مرتبطون برسالات السماء . ولذلك فهم أقرب إلى قلوب المؤمنين من الكفار ، إذن: فالمسألة قد أُخِذَتْ من ناحية الوجود الإلهي . أما في غزوة تبوك فقد أُخِذَتْ من ناحية قبول المنهج الناسخ ومنع الدعوة له ، ولهذا تحول الموقف في غزوة تبوك إلى عداء إيماني ، وهذا هو السبب الذي أدَّى إلى الحرب .
فإذا نظرنا إلى الغزوة نفسها نجد أن تبوك تبعد عن المدينة بمسافة كبيرة ، ووقت الغزوة كان صيفاً شديد الحرارة ، كما أنها كانت بعد غزوة حنين التي قاتل المؤمنون فيها قتالاً شديداً .